آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 2:46 م

الرقيب العربي

بثينة النصر صحيفة عكاظ

هو كشخص مثقّف ومطلـع ويتمتع بحيوية ملفتة فيما يختص بالمشاركة بالأنشطة والفعاليات، فتجده لا يفوت حضور الندوات والملتقيات الثقافية والفكرية المختلفة في محيطه. ومع أصدقائه هو أفضل من ينظر وبمنطق مذهل عن الإشكاليات والقضايا التي تواجه المثقف والعراقيل التي تحد من تأثير أصحاب الوعي وتحبط إبداعهم.

وعلى المستوى الشخصي هو ضمن عائلته شخص وقور، متـزن ومـرن، وخير من يلجأ له للمشورة في الإشكاليات التي تواجه ذويه مع أبنائهم وله قدرة مميزة على رأب صدع التفاهم الذي يتسبب به صراع الأجيال عادة.

وبداخل أسرته هو نعم الأب، ابنته بعطفه وحنانه وأمان حضنه مغرمة، وزوجته بصلابة مواقفه وحكمته وهيبته متيمة، وأولاده لطالما كان لهم نعم الصّديق الصدوق.

كم سيرته عطرة وكم هو شخص مثالي حضرة المواطن اليوم....! ولكنه كباقي البشر... حق عليه أن لا يتخطاه مسلك التناقضات، وأن لا تتبرأ منه فطرة النقص، وحق على انسانيته أن تتربص بها شبكة تعقيدات الحياة.

فبرغم كل محاسنه، وبرغم بياض مسلكه، هو في عمله حضرة الرقيب...!! نعم، أكثر من خمسة وعشرين عاما قضاها في هذا المجال المهني يتدرج في مناصبه بنجاح، يراقب المصنفات، يراجع قوائم الأرشفة، يدقّق بين سطور الروايات، يكبح جماح عواطف أبطالها، يهذب نحت إبداع مؤلفها، وله يد طولى في غالب الأحيان في إطلاق رصاصة الرحمة على فلسفة أو أكثر، صريحة أو مستترة، تتجرأ وأن تومض ما بين النصوص..! تجده في عمله دؤوب على أن يجهضها بهدوء وبدم بارد، قبل أن تنير فكرة غير مرغوب بولادتها في محيطه.

فهذه ببساطة مهام عمله وواجب عليه أن يتقنه بإخلاص...!! يجلس مع نفسه أحيانا ويفكر بنوع من الامتنان الصادق لمخاطر مهنته..، فكل جثث وأشلاء الأفكار المدفونة تلك، صحيح تعرضه للإصابة بإشعاع وميضها قبل مواراتها الظلام، وتكون خلايا دماغه فعليا هي أول وآخر من تتعرض له.. إلا أن الفكر حين يعتاد مجالسة وعشرة المنطق «ولو بالتلصص والتطفل والمراقبة» يخلق حالة اتزان ورضا نفسي تتوق له فطرة البشر، لذا لا غرابة في أن يختلج بداخله وهو القناص تناقض الامتنان للفريسة..! وبطبيعة الحال، في حياته الاجتماعية تنشأ له بعض الاشكالات التي اعتاد على التعايش معها من جراء مهمته، كأن يوصف من قبل أناس يحترمهم حقيقة بالمنافق، ويشار له بالبنان من قبل من هو مأخوذ بإبداعهم بالحذر، ويصله الهمس واللمز عليه بشكل يثير ابتسامته أحيانا، ما قد يوحي بأنه يعاني من «خلل» أو اضطراب ما..! لكنه ببساطة اختار أن لا يرهق نفسه بمزيد من التعقيدات فيلجأ للتصالح مع نفسه بأنهم هم السيئون ويعاديهم..!! فهو أكثر من يعلم الغضب الذي خلقه في صدورهم، ويتفهم حنق المبدع المكلوم بداخلهم، ويعي حرقة القيود التي نفذ أمر وضعها على بوحهم..!. حضرة المواطن الرقيب ليس شخصا يسترعي أي شفقة بطبيعة الحال أو تعاطف، لكن بالتدبر في حاله أراه لا يختلف عن التواقين لحرية التعبير سواء من المفكرين أو شرائح المتلقّين، هو ذاك الوسيط المزروع بنظام وظيفي للفصل ما بينهم، ولا ينفي ذلك أن يكون الإنسان الكامن بداخله... أيضا تواقا..!.