آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

«أنا» من أكون؟

بثينة النصر صحيفة عكاظ

خرج في تلك الظهرية يصارع ضوضاء في دماغه تكاد تخنق أنفاسه... فلم يخطر في باله يوما كم هو شخص يعوزه النضج..! صعد سيارته، وألقى برأسه على المقود يتنهد تنهيدة زفرتها طويلة حارة... واستذكر ما دار للتو بينه وبين ذلك الشاب الذي وضعه في طريقه القدر اليوم. استرجع شريط اللقاء منذ بدايته، وكيف دخل عليهم في مجلس ابن عمه هادئا نحيلا لا يوحي بتمتعه بشيء مميز..! على الغداء كان قد لاحظ كيف أن الجميع يأكلون وذاك الشاب يحدق فيه، مسلطا نظراته بثبات عليه تحديدا بشكل أشعره بعدم الراحة بل وبقشعريرة على أثرها كادت تقف اللقمة في حلقومه أكثر من مرة..! أشعره، وكأنه مدين له بأمر ما..! وعموما، استرسل في أحاديثه..! التي لطالما نالت استحسان من حوله من الطائفيين أينما ذهب.

كما تنال استحسان خصومه أيضا من الطائفيين..! فالمخلوق الطائفي عادة تجده يبحث دون هوادة عن من يتطاول عليه كي يجدها ذريعة لينفث هو بدوره بالمقابل طائفيته..! وهكذا دواليك لتستمر أكبر لعبة اجتماعية خطرة في تاريخ البشرية..!.. المهم أن حضرة المواطن نجده يلجأ للتندر على أهل الطائفة أو المنطقة أو القبيلة أو المذاهب الأخرى.. وبفطنة تغلف تندره تنجح في الفوز بقهقهة الحضور عادة. كان الشاب لا يزال يحدق به بنظراته ولا يضحك أو يأكل..! حتى تجرأ وسأله أحد الموجودين إن كان بخير؟ فأجاب بنبرة هادئة ملؤها الحزم، ووجهه لا يزال يقابل حضرة مواطننا: «لا لست بخير، والتندر أراه هنا سمجا».

ساد الصمت إلا من بعض النحنحات من المتحلقين على السفرة. قاطع الصمت بطل قصتنا ليسأله بنبرة هادئة: من أنت ومن تعتقد أنك تكون كي تحدثنا بهذه الطريقة؟ أجابه الشاب: «أنا من أشكر أهلك أن لم تتزعزع قناعتي يوما بقدرتي على حمل كل طائفي ليخجل من نفسه..!» «أنا من عشقت تراب هذه الأرض ورضعت حليب أمي الطاهرة وربتني على احترام نفسي والآخرين» «أنا من أحتفل بيوم تاريخ توحيد بقاع الوطن المهاب، وأتعب من رؤية أبناء وطني يتباغضون، وكوابيسي هي من خشيتي أن يأتي يوم فيه يحتربون..!» «أنا من أترفع عن الظلم ودهاليز الجهل، وأهذب نفسي الأمارة بالسوء، وأتعمق في جوهر ديني، وحلمي.. هو أن أتمتع وأبنائي مستقبلا بالسلام والمحبة والحضارة والوئام على أرض وطني» «أنا من أملك من الثقة بالنفس ما يجعلني أغطي نواقصي بالعلم والاجتهاد والعمل لا باستهداف الآخرين والتنقيص منهم كي أوهم نفسي بأني ذو قيمة أكبر..!» «أنا القادر على أن أقف وأخبر صحبي بكل صدق أن لا صداقة يمكن أن تجمعني بهم وهم يمسكون معولا للهدم لا للبناء..!» «أنا من ألبي دعوة لسفرة خير ولا أتردد في الانسحاب من سفرة نتن..!! يتحلق حولها من نضجت أعمارهم ولم تنضج عقولهم بعد!!»... استأذن الشاب واعتذر منهم وشكرهم على دعوته وأخبرهم بأنه سيكون أكثر امتنانا إن لم توجه له دعوة مرة أخرى لهكذا مجلس.. وسار واثق الخطوة تاركا وراءه حضرة مواطن أو أكثر تخنقهم تباشير عبرات الخلاص من ظلمة عبث المراهقة الممتعة إلى نور النضج المسؤول.