آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

مهرجان الدوخلة رسالة حضارية

باقر علي الشماسي *

من حسن الحظ انني زرت مهرجان الدوخلة بجزيرة تاروت التاريخية، مرة واحدة فقط لكنني لم أتمكن للأسف من الزيارة مرة ثانية.

على أي حال: هذه الزيارة اعطتني كما اعطت غيري انطباعا ايجابيا ثرياً، بأن هذا الشباب الطموح وهذا الجيل الجديد قد بذلوا فيه جهداً جباراً بدافع البحث عن متاعب المعرفة والابداع والاستنباط فأبدعوا فعلاً.

والذي لفت نظري كثيرا حسب مشاهدتي وانطباعي هو سفينة الغوص الشراعية، وغرفة العروس: ومجلس النوخذه، ومطبخ ايام زمان: وهذا لا يعني أن بقية تلك الابداعات هامشية بل هي روائع ابداعية ترقى إلى مستوى الفنون المميزة الا انني في هذه العجالة لم استطع التطرق اليها كلها.

وهذه ابرز مهاجع تأملية نسبة لجيل الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي نظراً لان تلك الموروثات الاجتماعية التقليدية والتراثية لمنطقة القطيف هي منقوشة في الذاكرة لا تمحى لكونهم عاصروها ومارسوها.

اما بالنسبة للأجيال الجديدة التي لم تكتحل عيونها بهذه الموروثات مباشرة أيام زمان.

وانما ذلك بمثابة قدح الزناد إلى داخلهم في الحس الحضاري والوطني تدفع بهم إلى المزيد من المشاركات معنويا وماديا وعدديا ونوعيا بقدر المتاح: هذا إلى جانب الاعتزاز بما بنوه وصنعوه الأجداد متعاونين فيما بينهم.

وحين يفخر جميع أبناء المنطقة بهذه الصناعات من سفن وفخار وغير ذلك العديد من الأمور الحضارية، لا للاعتزاز من أجل الاعتزاز وحسب ولكنها هي رسالة للأمم الحضارية الأخرى بأن أبناء هذه المنطقة في الخليج، وخصوصاً مدنها المشهورة تاريخياً كالقطيف والإحساء و«جزيرة أوال - البحرين حالياً» وعمان والبصرة والكويت، قد ساهموا مساهمة حضارية فاعلة لا تمحى على أديم كوكبنا. ومازال أبناء منطقة القطيف هاجسهم البناء ورسالتهم هي الاخوة والتعايش والمحبة بين جميع الطوائف والملل من دون استثناء.

أما ما نشهده اليوم من البعض في هذه الأمة العربية من أحقاد وعنف وتقاتل وتدمير لبعضنا البعض في بعض أجزاء هذا الوطن العربي الكبير وكأنها ظاهرة مرضية عرضية وخارجة عن السياق التاريخي وبدوافع عديدة آنية، إلا انها موجعة ومفجعة: ولكن حسب تقديري بأنها تنبئ عن ملامح لآفاق قادمة وتحولات ايجابية وتاريخية على منطقة الشرق العربي هكذا حسب تقديري المتواضع.

ويقول المثل «كلما أشتد الظلام قرب الفجر» ويقول الشاعر:

«ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أضنها لا تفرج».

نعم ان هذا المهرجان كرسالة تحمل بن ثناياها ملامحا لأبعاد حضارية قد سادت المنطقة قبل مئات وآلاف السنين ثم بادت: بعضها غُيب بفعل فاعل والأخر، بفعل التحولات والتطورات الزمنية، غير ان العديد من ملامحها باقية وكذلك بعضها في بطون التاريخ لا تمحى.. وحين تشاهد تلك المعروضات الرمزية التراثية والمهن اليدوية من سلال متنوعة «وحصران ومديد» وغيرها وصناعة السفن، كل ذلك ينقلك الى احلام اليقظة، الى ذلك الماضي السحيق العاطر بعبق النحلة وانواع الشجر والثمار والعيون النباعة واللؤلؤ: ينقلك إلى ثقافات الأجداد ك طرفة بن العبد وقبيلة عبد القيس وملوكها وشقيقتها بكر بن وائل و.. الخ.

انه الخليج الثري بالعطاء ألا محدود الحضاري والتلاقح المعرفي والثقافي بين أبناء منطقة القطيف وثقافات بعض الأمم الأخرى: كالهند والصين والفرس، والإغريق «اليونان» وبعض الحضارات التي مرت على بلاد النهرين في عهد مملكة حمورابي والملك السادس وهو الأشهر في سلسلة ملوك البابلية «1711 - 1669 ق. م.» وذلك في عصور الغوص وتجارة اللؤلؤ فكان عصر التبادل التجاري والتلاقح الثقافي الأممي بين الخليج وبين تلك الامم الحضارية.. أذاً نحن نقرأ بين طيات هذا المهرجان الرائع تاريخاً سامقاً وحضارات شامخة للقطيف كجزء من الخليج: ولم تبذل كل هذه الجهود الجبارة من قبل شباب المنطقة عبثاً أبداً.

انهم واعون تماماً لماذا يبذلون كل هذه الجهود والإبداعات.

فتحية وتقدير لكل الناشطين والمساهمين في مهرجان الدوخلة، وتحية وتقدير لكل الناشطين والمساهمين في مهرجان «واحتنا فرحانة».

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف