آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

مهاتير في نجران

محمد باقر النمر

مشهد 1

حدثني الصديق الاستاذ عادل المتروك عن رحلت له لماليزيا قائلا: طلبت يوما من سائق تاكسي في العاصمة كوالالمبور أن يوصلني إلى المسجد الجامع لأداء الصلاة وأثناء الطريق أخذ السائق يتحدث عن الجامع الذي سيذهبون اليه وأهميته التاريخه وعدد القادة الذين أتوا لهذا الجامع وكانت لغة سائق التاكسي مليئة بضمير «نحن» فيكرر جامعنا ومسجدنا our mosque يضيف المتروك: وصلنا المسجد قلت لسائق ألتاكسي هيا بنا ندخل إلى الصلاة فأجابه السائقبكل ادب وخجل آسف انا مسيحي I'm a Christian. صديقي عادل الذي دخل المسجد مذهولا ومكِبِرا لهذا السائق وثقافته وما ان خرج من المسجد عائدا مع السائق المذكور حتى أكمل ذلك السائق له: أن كل مسيحي وبوذي هنا يعتبر هذا المسجد والمسلمين جزء من كيانه وثقافته لأنه جزء من ماليزيا الوطن الذي نحبه هذا السائق البسيط في مهنته والكبير في عقليته وتفكيره أضاف: كما أن المسلمين الماليزيين يحبون ويجلون الكنائس والمعابد وأتباع الديانات الأخرى ويفخرون بها لأنها في ماليزيا فكلنا نحب ماليزيا وكل ما في ماليزيا.

مشهد 2

تحدثني على الدوام وبإعجاب ابنتي د فاطمة التي تحضر الطب عن يوميات ونظام الطلبة والطالبات الماليزيين في مدينة المنصورة بمصر حيث هي فتقول: ان سيرهم منظم وسلوكهم في الاماكن العامة والطرقات مهذب فضلا عن استيقاظهم المبكر مع نداء الفجر وهم جادون في دراستهم محافظين على هويتهم الماليزية مندمجين بحثا عن العلم مع المجتمع المصري. وان سفيرهم يأتي على الدوام اليهم من القاهرة لتوجيههم ولتفقد أحوالهم.

المشهدان البسيطان وغيرهما يعكسان مستوى وأسباب التقدم الذي يعيشه الماليزيون ونهضتهم وقد اصبحت على لسان القاصي والداني في العقدين المنصرمين.

ليس هنا المغزى والعبرة فحسب.

في مطلع سبتمبر الماضي 2013م دعيت من امارة نجران وغرفتها التجارية الى منتدى الاستثمار الاقتصادي الثاني بمحافظة نجران جنوب السعودية وكانت فرصة رائعة لي أن التقي بعدد من الأصدقاء والأحبة من النخب النجرانية الكريمة الذين اغرقوني كما أغرقوا ضيوفهم بحسن ضيافتهم وكرمهم المعهود وألا محدود.

نجم المنتدى كان باني النهضة الماليزية الحديثة رئيس وزرائها السابق الدكتور مهاتير محمد 88 عاما!! والذي يعد من أبرز رموز الإصلاح في العالم في العصر الراهن.

ألقى الرئيس مهاتير محاضرة هامة بعنوان أضواء على التجربة الماليزية والحقيقة ان مكان هذا المحاضر والمحاضرة أكبر من منتدى لمنطقة طارفة في السعودية ومما أسفت له وعلى الرغم من أهمية المحاضرة إلا أن الصحافة والإعلام السعودي لم تغطيها وما يليق بأهميتها السياسية والاقتصادية.

جوهر التجربة الماليزية لايمكن أن يختزل في محاضرة لتسعين دقيقة لكن بما أن رائد التجربة هو من القى فقد استطاع ان يلقي الضؤ على محطات هامة وأضنها مختارة تناسب والمكان بل والدولة المستضيفة له.

قبل ان الخص واعلق على اهم ما قاله مهاتير محمد هذا جدير ان اذكر نقلا عنه في غير موضع انه ومع تقلده مسؤولية رئاسة الوزراء فان اول ما وجه الماليزيين به هو النهوض المبكر في الصباح لما في ذلك من أهمية بالغة في مستوى وحجم الإنتاج القومي للشعوب فساعات الإنتاج في الصباح الباكر تختلف عن ساعات النهار ألأخرى والشعوب التي تبكر في النهوض للعمل وللدراسة لا شك انها ستكون اكثر انتاجا من الشعوب الخاملة.

بدء مهاتير محاضرته بأفكار ومحطات اقتصادية قائلا: ان التجربة الماليزية مختلفة عن الدول الأخرى التي حصلت على استقلالها.

ودعى طلاب نجران خاصة لزيارة ماليزيا لزرع القيم والتجارب التي أسهمت في نهضة ماليزيا مبدءا استعداده لتقديم كافة الخبرات والتجارب المتعددة.

ان دعوة مهاتير هذه لم تأتي من فراغ ويعي ما يقول وبالتأكيد كان يقصد تدريب وتنشأت الجيل الجديد الشاب المقدور على تغيره والقادر على التغيير والإصلاح والصعوبة ستكون في جيل الكبار المترسب فيهم الفساد تارة والبيروقراطية تارة أخرى.

عن أو مشاهداته إلى نجران الواعدة وتحديدا عندما هبطت به الطائرة وشاهد صخور وجبال نجران العارية قال: ان هذه الصخور تحوي على المعادن والنحاس والزنك ولابد من استغلالها والاستفادة منها وذلك من خلال رسم أهداف محددة وذات نفع اقتصادي للمواطنين أولا.

يذكرني كلامه هذا باكتشاف اسحاق نيوتن للجاذبية الارضية حينما رأى تفاحمنها. من اعلى الشجرة فتسائل مع حاله لما لا تبقى هذه التفاحة في الشجرة فأوصله تسائله المعرفي الى قانون الجاذبية الارضية المعروف اليوم وكان غيره عندما تسقط التفاحة يهم لأكلها او بيعها.

ما سبق من الأفكار الاقتصادية الجميلة غطت الصحافة السعودية جزء يسيرا منها.

إلا ان الحديث السياسي الهام والذي كان السيد مهاتير يقصده لم يشار اليه في أي من وسائل الإعلام رغم أهميته.

وكوني شاهدا وحاضرا في المنتدى المذكور وقد شدني الخطاب الذي أعده السيد مهاتير بعناية وقصد لما يلامس كثير من الواقع في عالمنا العربي فاني هنا استعرض اهم محطات حديثه السياسي:

يقول: تتكون ماليزيا من ثلاث أثنيات هي المالاوية والصينية والهندية، وانتماء كل أثنية لمرجعيتها هنا وهناك أولا، وكان اول شئ عملت عليه هو ان ينتمي هؤلاء إلى ماليزيا أولا ثم إلى أصولهم وأثنياتهم وقد كانت الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الانتماء الماليزي هي العدالة وخطط جادة لتوزيع الثروة والكعكة بالتراضي تلك الكعكة التي بفضل العدالة كبرت وهنئ بها الجميع. اننا اليوم نفخر بهذا التنوع في ماليزيا وهو جزء من الثروة الوطنية.

وهكذا بعد ان كان الدخل السنوي للفرد لا يتعدى 350 دولارا في السنة الى ماقبل عام 1980م وذلك بعد ان خرج منها البريطانيين وتركوا أكثر من 70 ٪ من الماليزيين يعيشون تحت خط الفقر وتعيش بطالة وفقر متقع اصبح اليوم دخل الماليزيين أضعاف مضاعفة والفقراء منهم لا يتجاوزون الـ 5 ٪ بفضل تلك العدالة والهمة والمنافسة في الانتاج وهكذا صارت بلادنا آمنة مستقرة سياسيا واقتصاديا.

فتحنا بلادنا على العمل لمن لأعمل لهم ركزنا على زراعة الكاكاو والمطاط والزيوت والمحاصيل الأخرى وذلك على مساحة 2 مليون هكتار ونحن اليوم ننتج وفي مصاف الدول المصدرة للعالم.

بعد ذلك توجهنا إلى التصنيع الذي لم تكن لدينا تقنياته وآلياته فضلا عن رأس المال وكانت الخطة تقتضي دعوة الأجانب من خارج ماليزيا وتحفيزهم ليستمروا في بلادنا فألغينا عنهم الضرائب لعشر سنوات أدى ذلك بالضرورة إلى خلق فرص عمل لشعبنا.

صحيح اليوم لدينا 2 مليون أجنبي لكن الفقر تقلص إلى 3 ٪ وهذا رقم نموذجي على مستوى العالم.

الآن نحن نسعى إلى الإنتاج في العلوم والرياضيات وذلك بعد ان استثمرنا أموالا وقطع الماليزيون شوطا في هذه العلوم وحبها وهذه العلوم تنمي المهارات وتطور الادارة والتصنيع العالي وعندما أقول صناعيين ماليزيين فاني اقصد مهندسين وفنيين وليس عمالة فقط.

وأنا واثق ان الخبراء الأجانب سيتقلصون ونحن نتطلع دوما إلى الاستفادة والاقتداء بتجارب الكبار كاليابان والصين في مختلف الحقول الصناعية والزراعية.

ان تقدم اليابانيين الخارجين بهزيمة من الحرب العالمية الثانية يعني لنا الكثير جداً ولا نتردد ان نقول أنهم يمثلون أمامنا قيما وقدوات كبيرة فاليابانيون يشعرون بالخجل وعقد النقص عندما لا ينتجون ومن الممكن ان يستقيل وزيرا أو رئيس وزراء عندما يكون هناك تقصيرا منهم او من هو دونهم لطالما هم يرأسوه وهكذا يتحملون المسؤولية ووصل الحال ببعض اليابانيون إلى الانتحار لأسباب التقصير.

وهذا بالضبط ما نفتقد قليلا منه في كل عالمنا الاسلامي اقصد ان يخجلون ويغادرون.

لذلك وغيره نجد الناجحين من اليابانيين يتفوقون ليس في العمل وحده فحسب بل الجودة والإبداع الذي هو شعارا دائماً لهم.

لقد تعلمنا من اليابانيين مبدأ الشراكة الحقيقة بين الحكومة والقطاع الخاص وحققنا من ذالك ما يزيد على 28٪ من الفوائد للدولة.

ولا نستعيب ان نبعث بأولادنا للعالم من اجل التعليم في امريكا وكندا والهند ومصر واليابان لغرض التعامل مع التقنيات الحديالماليزية. م محل افتخار لوطنهم ويرفعون الرؤوس بمستوياتهم.

اليوم لدينا أكثر من 30 جامعة تنتهج المعايير العالمية ولدينا في ماليزيا أكثر من 100000 طالب أجنبي يتعلمون في الجامعات الماليزية.

ومن الأمور التي تحدث السيد مهاتير عنها:

الأمانة والنزاهة لدى القادة وتحملهم الصادق لمسؤولياتهم وهذه جوهر القيم والأخلاق التي يحثنا عليها الدين الحنيف ولا شك ان ذلك من دواعي الازدهار ورفعة الدول والشعوب.

وهذا أيضاً مطلوب من رجال الاعمال الذين لا بد ان يحترموا وعودهم.

الجميع يستطيع بالإرادة ان يعمل ما يقوم به الآخرين فتسلق قمم الجبال ليس حكرا على أحد دون غيره وقطع البحار أيضاً وكذا المشي لمسافات طويلة على ألجليد.

فقط علينا ان نقنع انفسنا انا قادرين.

مثلا في مجال النفط فان إمكانيات ماليزيا الحديثة على هذا العالم لاتتعدى إنتاج 200000 برميل في اليوم وهو رقم زهيد في ميزان انتاج البترول ولكن تتواجد اليوم شركة بتروناس الماليزية في أكثر من 30 دولة لأغراض التنقيب عن النفط واستخراجه وتكريرة.

في العلاقات المتشنجة مع دول الجوار وكيفية معالجتها يقول السيد مهاتير: كانت علاقتنا متوترة مع اندونيسيا حول قضايا مختلفة ابرزها مطالبتهم لجزيرتين تحت سيادتنا وتوتر الوضع معهم فاتفقنا معهم على ان نتقدم بالمشكلة على محكمة العدل الدولية في لاهاي ونرتضي بالحكم الذي تصدره المحكمة وقبلوا هم ذلك على مضض بينما نحن كنا أكثر سعدا باللجوء لمحكمة الدولية بعيدا عن الحروب والاقتتال وكانت المفاجئة ان أصدرت المحكمة حكما يقر الجزيرتين إلى سانغفورا.

وكذا الحال على جزيرة بحرية مع تايلند وقررنا ان لا نلجئ للحروب مهما كانت الظروف. وان التسويات والمحاصصة هي الأجدى نفعا فتقاسمنا وربحوا هم ونحن مدركين ان الخيار الآخر كان الحرب وويلات الحرب والدمار الاقتصادي للبلدين.

وهذا مهم حيث رسخنا مفهوما جديدا بيننا وان من الحكمة الابتعاد عن الحروب والذهاب للتفاهمات التي توصل الأمم إلى ألاستقرار.

لذلك كله استطعنا وفي خلال فترة وجيزة ان ننجز البنية التحتية وننهض باقتصاد وطننا.

خلق المفاهيم الجديدة كان من اهم ما سعينا إليه لم تعد اليابان تقليديا ولا الصين خصما لنا كما كان يتعامل الماليزيون هم اليوم شركاء معنا في القطاع الخاص والعام.

الضرائب لدينا كانت مرتفعة فكان الماليزيون يذهبون سانغفورا للمشتريات فقررنا تخفيض الضرائب فصار ان أتانا السانغفوريين يشترون من بلادنا فازدهرت التجارة بشكل افضل لدينا.

عاد السيد مهاتير ليتحدث بشكل مباشر عن أهمية ان تنهض نجران ذات الجبال الغنية بمواردها الخام والتي هي بقيمتها ذهبا وكذا الرمال وقال: ينبغي ان نعي كيف نستخدمها

اكد السيد مهاتير ان ماليزيا هي إرادة وتصميم ورغبة في البناء وعزيمة من القيادة والشعب أكثر من كونها معجزة.

يؤكد السيد مهاتير على تحديد الاهداف اولا فيقول:

1 / ان تحديد الهدف ووضع البرامج السياسية وان يتخذ القادة إجراءات شفافة لتحسين معيشة شعوبهم.

2 / ان يكون القرار مستقل بعيد عن التأثير.

3 / وضع القوانين والنظم لسير العمل وآلية لمتابعتها والاهم الجدية في تطبيقها.

ان عام 2020م هو هدف ان تكون ماليزيا في صف الدول المتقدمة على مستوى العالم وهذا ماسيتحقق بإذن الله ولدينا خططا لهذا وإرادة لتحقيق هذا الهدف.

وان نسبة النمو في ماليزيا أصبحت الآن 5٪ وهذا رقما قياسيا في مقابل 1٪ نسبة نمو في أوربا.

ولعل ذلك يعود إلى تشجيع الاستثمار الحقيقي والفرص الوظيفية غير الوهمية والابتعاد عن البطالة المقننة كما انه لا توجد لدينا أسواق مالية وهمية كأسواق الأسهم الرائجة هنا وهناك التي هي تجارة المغامرة والمقامرة!!!

في نهاية المحاضرة قال السيد مهاتير: ان الكثير من القيم الإسلامية أراها اليوم في اليابان أما المسلمين فهم ابعد ما يكونوا عن الإسلام والتعاليم المكتوبة في ألقرآن الكريم.

في عهد الرسالة الأول كان الإسلام يحتاج إلى مقاتلين وصناع سيوف وسهام أما اليوم فالحاجة هي لصناعة الطائرات لخدمة البشرية كما نحتاج إلى علوم ألرياضيات.

يضيف مهاتير: انه لأمر مؤسف ان نرى المسلمون اليوم يقتتلون فيما بينهم ومن لا يقتتل مباشرة فلا بد وان يغذي الحروب القائمة بين المسلمين وهم بذلك بعيدين عن التعاليم الإسلامية.

ومن الأفكار العامة الهامة التي عرج عليها السيد مهاتير ووجه نقده الحاد هي البروز في الإعلام وضرب مثال تسمية المسئولين والزعماء لشوارع بلادهم والأماكن العامة قبل موتهم وأضاف قائلا: أني قد منعت هذا النوع من البروز كما منعت أي أحدا من أقاربي وكل من هم حولي ان يستفيدوا من اسمي أو علاقتهم بي في انتخابات أو أي طلبات لمناصب في الدولة!!!!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبد الله ناصر
[ qateef ]: 5 / 12 / 2013م - 10:10 م
قرأت بتمعن مقالك الشيق ,واعتقد باختصار ان اهم شئ ساهم في نهضة ماليزيا هي عد الاصغاء لمشورات العباقرة والجهابذه العرب .. في الثمانينات زار العشرات من التنظيريين القادمين من الجامعات العربية الفاشلة الى ماليزيا .. فشكروهم على دروسهم المجانية وقالوا اصلحوا بلادكم ثم تعالوا ونظروا لنا ماهو الصحيح وما هو الخطأ