آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 11:40 م

المواطن العربي.. رؤية من الداخل

هاني العبندي

منذ بدء الحراك السياسي في تونس2010 الثامن عشر من ديسمبر الذي بدأ مع قصة الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في 17 ديسمبر 2010 تعبيرًا عن غضبه بعد مصادرة العربة التي يبيع عليها وقيام شرطية بصفعه، وحتى يومنا هذا والمواطن العربي يعيش في أسوأ حالاته على كافة الأصعدة.

وفي ما كان يعرف بالربيع العربي، كان الكثير يتبنأ بحدوث تغير في خارطة الفكر العربي، ويصبح أكثر وعيا من السابق وذلك بعد تخلصه من أقوى سلطتين، الدينية والسياسية، لكن ما الذي جعل المشهد العربي أكثر تشظيا من السابق؟

الإجابة على هكذ سؤال قد تحتاج إلى الغوص في العمق التاريخي والاجتماعي في العالم العربي، فالعراق كانموذج حيث كان يعاني من دكتاتورية صدام وكانت كل القوى الوطنية السياسية العراقية ضده ومشتتة في مختلف دول العالم ومع ذلك لم تستطع تغيير النظام السياسي إلا من خلال أحداث 9/11، كانت تلك القوى تعيش انقساما في الرؤية السياسية ما قبل إسقاط النظام وإلى يومنا هذا.. حيث لا يزال المواطن العراقي ينتظر الموت في الأسواق، والمساجد، وفي الشارع، والحال ينطبق أيضا مع مختلف الشعوب العربية التي لا تزال غير قادرة على بناء علاقات على أسس المصلحة العامة، والغالب من القوى السياسية في العالم العربي مشغولة في المصالح الحزبية أو الدينية الخاصة.

و لأن الذاكرة العربية لا تزال مجمدة، سوف أعود إلى سنوات إلى الوراء حيث عقدت القمة العربية في القاهرة عام 2004 وكان أبرز ما طرحه ممثلو نخبة المجتمع المدني في «مؤتمر قضايا الإصلاح العربي» الذي أقيم بمكتبة الإسكندرية في مصر هو ضرورة الالتزام بقيم الديمقراطية من خلال حكم الشعب نفسه بنفسه، وإرساء نظام التعددية السياسية الذي يسمح بتداول السلطات، وكفالة الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير، ودعم حقوق الإنسان، والإصلاح الأقتصادي، والإجتماعي، والثقافي، لكن كل ذلك لم يتعدى حدود المؤتمر والورق الذي طبعت عليه توصياته.

أمام هذا الواقع العربي والذي تشير الأحصائيات أن الغالبية منهم هم من الشباب ما دون 25 سنة كما يشير مركز الجزيرة للدراسات، يحتم على القوى الوطنية العربية الأخذ بمبادرات جادة من أجل ردم الهوة التي تتسع كل يوم إما بسبب الجهل حيث لايزال العالم العربي لم يعالج الأمية بالمفهوم التقليدي، أو بسبب العامل السياسي ذي الصبغة الدينية.

لا يزال المواطن العربي غير قادر على تجسير العلاقات داخل محيطه العربي مع من يختلف معه في الرؤية حول القضايا التي تعتبر من أولويات المواطن كإصلاح التعليم، والاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، والقضايا الدينية على إختلافها وأبرزها الصراع المذهبي، وبينما يستمر في التنظير في قضايا هامشية، نرى المجتمعات الأخرى تجاوزت أغلب هذه القضايا إلى قضايا التنمية المعرفية والعلمية بالرغم من إعترافهم لــحاجة الإصلاح.

و عوضا عن لغة الحوار وبناء جسور المعرفة أصبح شغلنا الشاغل الإهتمام في القضايا الشخصية وإن كان هناك في الإسلام مايعرف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو لا يأتي بالصورة التقليدية التي يمارسها أتباع المذاهب الإسلامية في العصر الحالي.

إن استمرار غياب التجسير والقفز على الواقع يجعل من المجتمعات العربية هشة لا تملك أي بنية معرفية أو علمية، وسوف يكون شغلها الشاغل القضايا الهامشية كالخلافات العقائدية والتاريخية حتى بين أتباع المذهب الواحد. لم أبالغ حنيما قلت أن المجتمع العربي يجري إلى الخلف بينما العالم الآخر يجري إلى الإمام والمسؤلية هنا تقع على جميع النخب والقوى الوطنية في العالم العربي ولا أستثني أحدا.