آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

مانديلا.. نحنُ لا نُشبِهُكَ!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

وجْه نيلسون مانديلا لا يشبه وجوهنا، وسحنته لا نحمل من سمرتها شيئاً!. ملامحه تبدو غريبة عنا، وروحه التي يحملها كلغزٍ عصيٍ لا نستطيع فهم كيميائها الغامضة!.

المقاتل الإفريقي الذي جاء من تجربة مريرة، أشاح بعينيه عن السلاح، ليعانق «غصن الزيتون» المر. مرارة تجرعها كأسَ سمٍ كانت هي الترياق الذي شفى جنوب إفريقيا من كثير أمراضٍ، وأخرجها من حقبة «الفصل العنصري» البغيضة، إلى زمن المصارحة والمصالحة والمسامحة. وهي الأقانيم الثلاث التي لا يجيد صياغتها وتحقيقها إلا من أوتي حكمة وعزيمة وشجاعة، لا تتأتى إلا عبر التجارب المتتالية والتفكير العميق ونكران الذات، في سبيل مصلحة الجماعة البشرية.

أما لماذا لا نشبه مانديلا، فلأننا كما يقول الشاعر غسان الخنيزي: «ولكن ما خصّنا ومانديلا، ما علاقتنا بذلك، فنحن كأفراد وإيمانات فردية وضمائر وممارسات وأساليب حياة شخصية، نقف وننسجم قيمياً وأخلاقياً مع الجهة التي آذت مانديلا!. لماذا، إذاً هذا الأورجي، حفل العربدة الجماعي من النواح والنشوة مجتمعين؟!». معتبرا أن الاهتمام بمانديلا هو «أمر ليس مبالغا فيه وحسب، بل وهمي، زائف، مزور، وغير مقصود البتة، ومن باب إزجاء الوقت».

طرح الخنيزي أعلاه، يحيلنا لأحد نصوص الشاعر محمود درويش، عندما قال: «يحبونني ميتاً، ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا».

وعليه، فإن هنالك محاولة ادعاء «كاذب» من عدد من نُداب الزعيم الإفريقي، يريدون من خلال ذلك إظهار الذات وكأن لها نصيبا من صفات مانديلا ومناقبيته. وهو الأمر الذي وصل إلى حد «الابتذال»، على حد تعبير الكاتب مشاري الذايدي، الذي اعتبر أن «هناك ابتذالا صرفا لكل المثل والعلامات في فضاء الإنترنت وشاشات التلفزة»!.

هذا «الابتذال» سببه السلوك الفردي والجمعي المناقض لقيم مانديلا، شكلا ومضمونا. فنحن في مجتمعاتنا العربية، كثيرا ما ننادي بالتسامح والتعايش، إلا أن ما يجري هو عكس ذلك تماما. حيث العصبية والعنصرية والمذهبية والعماء الفكري، وحتى التراجع على مستوى التعاطي الأخلاقي بين الأفراد، وتفشي العنف والعداء ل» الآخر»، والاحتكام إلى السلاح في عديد من البيئات العربية. وهي الممارسات التي تتناقض وما ندعيه من انفتاح وعقلانية!.

هذا التناقض السلوكي، لا تجده لدى رجل الشارع العادي وحسب، بل ترى بذوره لدى طلاب المدارس، وتراه موجودا حتى بين النُخب. ما ينبئ بتجذر المشكلة، وصعوبة اقتلاعها من جذورها في وقت قريب.

نحنُ بوعي أو دون وعي، نبني جدراً عازلة بين بعضنا البعض، ونحيط ذواتنا في «كانتونات» خانقة، تحت ذرائع واهية، نروم من خلالها الحفاظ على «طهرانية» الذات، التي لم تكن يوما نقية تماما!. وعليهِ، فالجُدرُ التي سعى مانديلا لهدمها، ها هي تتعالى في وطننا العربي، سوداء داكنة.

إذن، ما الحلُ، وما المخرجُ.. هل نحن بحاجة ل» مانديلا عربي»، يكون داعية سلام وتعايش، تنقادُ له الجماهير، أم ماذا؟

شخصياً، أعتقد أنه «ولى زمن المناضلين الأساطير»، كما يقول الكاتب فهد الشقيران، لأننا «أصبحنا أمام عالم لا تحكمه الخطب والضجيج، وإنما تحكمه السياسات والاستراتيجيات والمصالح والصفقات والتفاوضات. لم يعد هذا الزمن ملائما لمنطق الشعارات، بل أمام زمن «التواصل» وأعراف «التفاوض» والقوة لا تحل المشكلات وإنما تزيدها تعقيدا».

من هنا، ما نحن بحاجة له، هو أن نعيد صياغة ذواتنا من الداخل أولا، والتخلص من «الثنائية المرضية»، وبناء المجتمع وفق معايير علمية مدنية حديثة، تركز على مفاهيم العدالة والمساواة واحترام الآخر وسيادة القانون، وترسخها كنُظمٍ حاكمة ملزمة. ساعتها، نكون قد بدأنا مشوارنا لنكون مجتمعات طبيعية لا تعاني من «النفاق» الجماعي!.