آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

القتلُ الأعمى في العراق!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

يقرب العام 2013 على نهاياته، ويسجل له أنه من أكثر السنوات دموية في العراق. حيث بلغ عدد القتلى حتى شهر أكتوبر المنصرم 5، 740 ضحية، سقطت بسبب التفجيرات الانتحارية، أو السيارات المفخخة، أو الهجمات التي يشنها مسلحون، بمتوسط شهري بلغ 1، 200 حادث «إرهابي»، وفق تقرير نشره معهد «واشنطن» لدراسات الشرق الأدنى.

ووفق أرقام نشرتها الأمم المتحدة، نقلها تقرير معهد «واشنطن»، فإنه «عندما كان مستوى العنف في عام 2010 هو الأكثر انخفاضاً بالنسبة ل تنظيم «القاعدة» في العراق، تراجعت التفجيرات بالسيارات المفخخة إلى متوسط 10 هجمات في الشهر ولم تقع الهجمات في مناطق متعددة سوى مرتين أو ثلاث مرات في العام الواحد. وفي 2013، وقع حتى الآن متوسط 68 تفجيراً بالسيارات في الشهر كما وقع تفجير في مواقع متعددة كل عشرة أيام. وتورد الأمم المتحدة في تقرير لها أن 5740 مدنياً قد قتلوا منذ يناير - الماضي - وهو ما يقرب من ضعف العدد الذي أبلغت عنه المنظمة طوال عام 2010».

هذا العدد المتزايد من العمليات «الإرهابية» تقوم به مجموعات مسلحة، ذات أبعاد طائفية، غالبيتها تنفذها عناصر «القاعدة»، أو الفرق الصغيرة المتعاونة أو المتعاطفة معها. وهي في هجماتها هذه لا تفرق بين عسكريين أو مدنيين، ولا بين شخصيات سياسية أو أفراد من عامة الشعب، بل تطال حتى النساء والأطفال، في سلوك تهدف من خلاله لإشاعة ثقافة «الخوف والرعب»، وتقويض أي أمن مجتمعي ممكن، مرسخة بذلك غريزة «الانتقام» والقتل المتبادل، لتجعل كل طائفة أو عرق في العراق تنكفئ على ذاتها، وتتراجع في محيطها الجغرافي والعقدي الضيق، منعزلة عن بقية شركائها في الوطن، ما يعني انهيار الدولة الوطنية، وصعود الطائفة والقبيلة والعرق!.

الطفلة تقى ماجد الجشي، ذات ال 5 أعوام، كانت إحدى ضحايا هذا العنف المسلح، عندما اخترقت رصاصة صدرها، لتموت على الفور، إثر هجوم شنه مسلحون مجهولون على حافلة تقل زواراً مدنيين، متوجهين من سامراء إلى بغداد.

لو نظرنا إلى الحادثة، سنجد أنها تحمل العديد من الإشارات التي رام «القتلة» إيصالها. فهم يرديون أن يتصاعد الاشتباك الطائفي بين المكونات المذهبية، كما يسعون لتصوير أنفسهم أمام نسيجهم المجتمعي الضيق، بوصفهم «الدرع الحامي»، والآخذين بالثأر. أضف لذلك الرسائل السياسية والأمنية، التي من خلالها تُرسمُ للعراق صورته بوصفه دولة «فاشلة» لا أمن فيها، وألا حل إلا بتبني الرؤية التي يؤمن بها «المسلحون» والانصياع لأجندتهم السياسية.

لكن السؤال الذي يُلح على المتابع للمشهد العراقي، هو: لماذا يستهدف هؤلاء المسلحون في هجماتهم، المدنيين العزل، ويقتلون النساء والأطفال؟. ربما الجواب السهل هو القول إن ذلك يعود للمنهج «التكفيري»، الذي يسلكه «القتلة». وهو الجواب الذي رغم صحته، إلا أنه لا يجيب عن حقيقة ما يجري بعمق، ولا يغور محللاً المشهد بتعقيداته وتشابكاته.

مايكل نايتس، الباحث المتابع للشؤون الأمنية والعسكرية في العراق، يعتقد أن المدنيين يميلون إلى قتل مدنيين آخرين «عندما يشعرون بأن قوات الأمن لا تتمكن من حمايتهم، الأمر الذي يعكس الواقع بأن قوات الأمن العراقية قد أثبتت أنها غير قادرة على الحد من العنف سواء من قبل تنظيم «القاعدة» أو المقاتلين على مستوى الأحياء والمناطق». وهو العجز الذي نتج بسبب بطء تقدم العملية السياسية، وتفشي المحسوبيات والفساد المالي والإداري في المؤسسات الحكومية، ونهج المحاصصة الطائفية الذي تدار على أساسه البلاد.