آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 7:03 ص

خليج التسامح لا الطائفية!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

«لا نخفي ما نشعر به من قلق عميق، لما تشهده منطقتنا العربية من أحداث أطلقت فيها الفتن الطائفية، وتصاعدت الأعمال الإرهابية».

حديث صريح ومباشر عن خطر «الطائفية»، جرى على لسان وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، في بداية كلمته أمام الدورة ال68 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي انعقدت في سبتمبر المنصرم.

الوزير الشاب كرر أمام مستمعيه تحذيره من «الطائفية» أكثر من مرة، في كلمة لم تتجاوز العشرين دقيقة. بل، جاء هذا التحذير في مقدمة الكلمة، ما يعني حضورها كأولوية ملحة، وقضية رئيسة لا عرضية، ينبغي التعامل معها على قدر كبير من الجدية والاهتمام، كونها ساهمت في تفاقهم «التحريض والعنف»، مما أدى إلى حال من «الاستقطاب العنيف»، لتكون المحصلة الطبيعية لذلك أن «انعدمت سبل الاستقرار والتنمية.. وهدم تاريخ من التسامح». وبذلك سادت أجواء من «اليأس» لدى الجيل الشاب، ستؤثر تاليا على استقرار الدولة الوطنية كإطار جامع لكل الهويات الفرعية.

حال الاستقطاب الطائفي الذي تعيشه المجتمعات في الخليج والعالم العربي، هو أمر «طارئ» في حقيقته، وليس مكونا ذاتيا في ثقافة أهل الخليج. وهي ثقافة عرفت بتعددها، وتسامحها، وعيشها المشترك، طيلة قرون خلت. إلا أن «تسييس الدين» كما «تديين السياسة» واستخدامه وسيلة للاقصاء والتهميش، والتداخل المنفعي بين التدين والتحزب والحكم، واستخدام الخطاب الديني كرافعة لشد العصب الجمعوي الضيق للمجموعات المذهبية، أدى لأن يتحول التدين من سلوك يشذب العلاقة بين الذات والآخر، إلى ممارسة تصنيفية، ترتد إلى الداخل العميق والمظلم، حيث الهوية المذهبية الضيقة لا ترى الرشد إلا لديها، ولا ترى الصلاح إلا حليفها، والغلبة حق ذاتي تضفى عليه صفات قدسية، في الوقت الذي تشيطن فيه المختلف، وتحيله ل«فزاعة» تطلق عليه السهام، وتلصق به النابيَّ من أسماء، والشائن من صفات!.

الخطاب الطائفي، لم يتوقف عند حدود تنزيه الذات وتدنيس الآخر، بل تعداه إلى التحريض على المختلف، وإباحة ماله ودمه وعرضه، وكأن لا حرمة للنفس البشرية، ما لم تكن سائرة ضمن ركب القطيع الممذهب!.

هذا التحريض اتخذ أشكالا متنوعة، من العنف الرمزي واللفظي، إلى العنف في الازدراء والمضايقات، وصولا إلى العمليات المسلحة، التي تنوعت بين القتل والتفجير والتهجير الطائفي. وجميعها ممارسات قسمت المجتمعات العربية والخليجية، وراحت تهدد الصيغة الوطنية للدولة الحديثة، والتي تقوم على سيادة القانون، والمساواة بين المواطنين، وعدم المفاضلة على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو المذهب أو القبيلة.

هذا العنف الطائفي يظهر في أكثر صوره دموية في كل من العراق وسورية، حيث تنشط الجماعات الأصولية والتكفيرية المسلحة بشكل يهدد محيطها العربي. وهي التهديد الذي تمظهر بشكل جلي في التفجيرات المتنقلة في لبنان وتفاقم مستوى الاحتقان بين المذاهب هناك.

إن دعوة الشيخ عبدالله بن زايد لمحاربة «الطائفية والتطرف»، ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وجعلها بندا رئيسا على جدول أعمال الحكومات في الخليج. لا لكونها صادرة عن شخص له موقعه السياسي المتقدم وحسب، بل لأن النيران تشتعل سريعا في المنطقة، وخطاب الفتنة يجري تعميمه عبر القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي. كما أن مشاهد القتل اليومي في سورية والعراق تغذي مشاعر «الكراهية» و«الثأر»، وما لم يبادر العقلاء لمحاصرة هذه الفتن ووأدها عبر سن قوانين وتشريعات فاعلة، فإن «خليج الدر والمحار»، لن يكون بعيدا من الدائرة.