آخر تحديث: 9 / 3 / 2021م - 7:50 ص

ثقافة السؤال

محمد أحمد آل محسن * صحيفة الشرق

مع تطور وتقدم الزمن، تتطور معارف الإنسان ومداركه، ومعها يبدأ نوع آخر من السؤال والشك إلى ما كان يسلم به مسبقاً، أسئلة وتشكيكات «ولو داخلية» لما قد يسمعه ويتعرف عليه في حاضره. فالإنسان بطبعه يحتاج لسلام داخلي، هذا السلام أو «الاطمئنان» كان في وقت من الأوقات لا يحتاج إلى كثير من أجل أن يقنع الإنسان بواقعه المعاش نظراً لمحدودية تحركه ونشاط حياته.

اليوم ومع هذا الانفتاح الكبير في العالم، أصبح معه إنسان اليوم أكثر ثقافة وأوسع معلومة من ذي قبل، معه يبدأ «قد يكون ضريبة هذا التقدم» نوع آخر من الثقافة وهي ثقافة السؤال، السؤال بما يحقق كما تحدثنا عنه وهو «السلام الداخلي» الذي يريد أن يقتنع ويطمئن لما يريد أن يقتنع به.

لكن الأسئلة الأكثر حساسية وذات بعد بنيوي هي في الجانب الديني، الذي معه تبدأ التفسيرات لماهية هذا السؤال والهدف منه. لعقود وقرون تعود الناس على أمور ظنوا أنها مسلمات، ثم ما تلبث أن تتحول بعد عقود إلى أمور تافهة، نتعجب كيف أن آخرين كانوا يقومون بها. الفارق والمشكلة في الأسئلة المطروحة داخل الدائرة الدينية هو عدم التفريق بين السؤال بحثاً عن جواب يحقق السلام عند الإنسان، وبين تشكيك الآخرين وإلصاق تهمة التشكيك للسائل بحجة أنه لا يؤمن بأمر هنا أو هناك.

إن أبرز مشكلة تواجه ثقافة السؤال هي عدم التفريق بين النص الديني وبين فهم هذا النص، أي بين ما هو مقدس وبين ما هو تفسير الإنسان لهذا النص. إن تفكيك هذه الازدواجية كفيل بشكل كبير لفهم واقع السؤال، وكفيل أكثر بفهم جيل اليوم الذي يملك من الوسائل ما يمكنه من طرح الأسئلة، في مقابل بقاء «المحافظين» على أسلوبهم القديم في رد السؤال بالطرد والتشكيك ومعه تزداد الأسئلة وكأن شيئاً غريباً يحصل، في الغالب يتم إرجاعه إلى أمور غيبية أو مؤامرة غربية علينا.

والسؤال هنا كيف نؤسس لثقافة السؤال في مجتمعاتنا، بحيث يصبح معه السؤال فرصة لتغيير الواقع المعاصر. إن قيم الدين ومقاصده أولت السؤال أهمية كبرى، وجاء في الحديث «حسن السؤال نصف العلم». لكن مع الأسف واقعنا لا يفرق بين السؤال بهدف الحصول على الأجوبة التي عززت في العصر، بل أصبحت المماحكات والشخصنة وازدراء الآخر هي الأجوبة البديلة عما هدف إليه إثارة السؤال.

يبقى أننا نحتاج للسؤال دائماً، السؤال معناه أن هناك من يفكر ويريد أن يقتنع ويفهم، وليس ضرورياً أن يكون تشكيكاً، بل دليل وعي وعافية لدى أفراد المجتمع.