آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معلومة وعِبرة

وقفة مع أكابر علم الكلام «الجُبائيَّـين»

السيد أمين السعيدي *

من المعلوم لدى طلبة العِلم ومن يرتادون الصروح العلمية - لا سيما مَن بَلغوا مرحلة السطوح حسب الرُّتَب والمراحل الكلاسيكية - أنّ من أهم الكتب الكلامية وأعظمها وأشهرها وأقيمها:

كتاب 【التجريد】 للشيخ الطوسي رحمه الله تعالى، وأهم منه كتاب 【شرح التجريد】 للعلامة الحلي ابن المطهَّر الحسن بن يوسف - 648هـ ت: 726هـ - قدَّسَ الله نفسه الزاكية، هذا العالم البارع الكبير، شيخ الشيوخ، وجامع الكمالات والمناقب، مَفْخَرة المذهب، الذي لا يستغني عن كتبه متكلمٌ ولا فقيه، بل حتى الفيلسوف، لا سيما الفيلسوف الإسلامي.

ومحط كلامنا هنا هو كتاب 【شرح التجريد】 بالأخص؛ من باب أنه مَحَط التدريس، وفيه نكتة يـَفهمها الدارس، ويـَـفهمها الفَهيم، حيث ذَكر العلامة عليه الرضوان، في بعض مباحِث كتابه الكلامي الزاخر القيّم هذا، رجلَين من كبار المتكلمين سمّاهما بـ【الجُـبّائيَّـين】 حسبما اشتهرت التسمية فيهما، وذلك من قبيل ذِكره لهما في:

المقصد الثالث 【إثبات الصانع】، في الفصل الثاني، المسألة الأولى منه 【في أنه تعالى قادر】، في شرح قول الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى:

【وعموميةُ العلة تَستلزِم عمومية الصفة】.

فشَرَحَ العلامةُ أعلى الله مقامه هذا المَقول، ثمَّ ذَكر آراء مجموعة من النِّحَل والمتكلمين في المسألة 【المجوس والثَّنَوِيّة والنَّظّام والبَلَخي والجُـبّائيَّـين】، وفي شبهة الجُـبّائيَّـين حول ذلك قال في نَصِّ عبارته:

【وذَهَبَ الجُبائيَّـين إلى أنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد، وإلا لَزم اجتماع الوجود والعدم على تقدير أن يريد الله إحداثه والعبد عدمه】.

فمَن هما الجُـبّائـيّان هذان اللذان يذكرهما العلامة رحمه الله تعالى في كتابه الثمين هذا؟

الجواب مختصراً أذكره في قصة طريفة تستلذ بها الأسماع، وفيها ألوان مِن العِـبَر، ومراتب من الفهم، ولكلِّ شخصٍ أبعادٌ في وعيه وهضمه لمسالك الكمالات، وهي كما يلي:

ولا تَحسب بأنَّ هذين الرجلين من بسطاء الناس ومن بعض السَّوَقة والنَّـكِـرات المجهولة، فالعلامة إنما يذكرهما في كتابه العظيم هذا لأنَّ لهما رأياً وثقلاً في العلم بين المتكلِّمين؛ لذا يزن لهما قدراً ويذكرهما في كتابه، ومعلوم أن العلامة رحمه الله تعالى سَبـرَ العلوم، علوم الأولين والآخرين، وغاص في المذاهب والآراء، ولم يـَدع عِلماً مفيداً في الدين إلا أتى عليه وقلَّـبَه بطناً وظهراً؛ لذا استحق لقب 【العلامة】 بجدارة وحق.

كما أنه قدِّس سِرُّه من علمائنا الذين كانوا يفتون على طِبق مذاهب إخواننا السُّنة، بفعل قوة إحاطته بالآراء والنِّحَل والمذاهب؛ والكلام في هذا يطول فلنُـعْرِض عنه وننتقل لمحل حديثنا:

يـُنقَـل في التاريخ أنّ عالماً كان يسمى بـ【الجُـبّائي】، وكان محترَماً عند العلماء والأمراء، إذا دخل المجالس قُـدِّم على زملائه لعلمه.

ولما مات هذا العالم جاء ابنه بعده ودخل دار الأمير، ثم تَصَـدَّرَ المجلس على عادة أبيه رغم وجود العلماء في المجلس.

فسأل الأمير عنه من أنت؟

قال: أنا ابن الشيخ الجُـبّائي.

لكن الأمير لم يعجبه عمل هذا الشاب؛ حيث إنه تقدم على الشيوخ وجلس إلى جانب الأمير؛ فسأله مسألة لم يتمكن الشاب من الجواب عليها، فسَأل الأمير تلك المسألة من الرجل الجالس عن يمينه؛ فأجاب الجواب الكافي؛ فتَوجَّه الأمير إلى الجبائي الولد وقال له:

هذا الشيخ مقدَّم عليك في العلم والفضيلة؛ ولهذا لا يحق لك أن تجلس في مكان هو أولى به منك، فقم واجلس بعده.

واستمر الأمير يسأله حتى أصبح في آخر المجلس، فقال له:

يا بني! إنّ أباك استَحقَّ هذا المكان الرفيع على كل الشيوخ بعلمه، لا بنسبه، ولا لاسمه، ولا لغير ذلك.

فخَرج الولد من المجلس، وأخذ يـَـكْدح في تحصيل العلم، وسهر لياليه، وأتعب نفسه، حتى صار عالماً كبيراً بعد عشرات السنين، وبذلك استحق أن يـتقدم على الشيوخ، فكان إذا جلس قدموه على أنفسهم، حتى اشتهرت العلوم الدينية عنه وعن والده، ولُقِّـبا بـ【الجُـبّائيَّـين】.

والعِـبَرُ في هذه الحادثة كثيرةٌ كما ترى، أقف هنا موجِزاً على بعضها:

  • أولاً: 【للحُكّام】: -

نلاحظ أنَّ هذا الأمير كان حكيماً منصفاً وعادلاً، ويعرف قدر العلم وأهله، وميزانه هو الجوهر لا المـَظهر، ولا المنفعة الشخصية والأنانية، ولا الحسب والقبيلة والنَّسب، كما أنه يـَظهر بأنه خبير وله حصيلة علمية جيدة، على أساسها جلس محل الإمرة والقيادة؛ لذا استطاع أن يوجِّه المسائل، ويزن مَن حوله.

لا تقُلْ:

ما أسهل توجيه السؤال؛ فالسؤال لا يدل على وجود حصيلة العلمية لدى هذا الأمير.

فهذا مردودٌ عليك إن قلت به؛ لأن توجيه السؤال كثيراً ما يكون فيه تثاقل من الناس؛ فهو ليس بالسهل، ليقال ما أسهل توجيه السؤال، خصوصاً في مجالس اللهو والغفلة عن العلم وقدر أهله.

كما أنَّ الأمير جلساؤه في داره الشيوخ والعلماء.

وكذا فإنّ ابن الجبائي في ذلك العمر ووقت الحادثة لم يكن مجنوناً أو من البسطاء، وإنما كان ابن الجبائي العالم، كما أن بعقله وفطنته بلغ مرتبة رفيعة من العلم، مما يدل على سلامة عقله من الجنون ورجحانه وقوّته.

بالتالي؛ هذا يدل على أن أسئلة الأمير لم تكن من نوع المسائل العادية؛ وعليه نستنتج أن الأمير كان من أهل الوعي والفهم، لا من نوع الأمراء السفهاء، لا سيما إذا لاحظنا بقية الأمور الآتية.

لذا؛ نتمنى أن يهتم الأمراء بالجوهر دون المَنظَر، وأن يكون تقييمهم لأبناء الشعب تقييماً على أساس المعرفة والفضيلة العلمية، لا الشكل والحسب والنسب والمناطقية والسن وغير ذلك، فالأمير أقرَّ بأنه لم يقدِّم الجُبائي الأب لِسِـنِّه، أو حسبه ونسبه، أو غير ذلك سِوى العلم.

  • ثانياً: 【منطق البرهان】: -

حيث نجد أنَّ الأمير - المهذِّب - استعمَل في تهذيب ابن الجُبائي منطق البرهان في إثبات الصواب، فتسلسَلَ مع الشاب شيئاً فشيئاً، ولم يـَستجلب إلا الدليل الحقيقي.

بخلاف ما يفعله البعض من اختلاقات وافتراءات في سبيل تقويم مطلوبهم فاسداً كان أم صواباً، وفي حق الكبير كان أم الصغير، فلا تجد إلا الكذبة تلو الكذبة، والنفاق في عمق الخديعة والزيف، والحال أنّ كل هذا من الأباطيل والدواعي إلى سَقَر التي لا تُبْقي ولا تَذَر، لَوَّاحَـةٌ للبَشَر! وفي الخبر:

المؤمن لا يكون كذاباً؛ فالكذب لا يجتمع مع الإيمان، فهو من صفات المنافقين ونفاقٌ صريح.

فما بالك إذا اجتمع الكذب مع الغيبة فصارَ بُهتاناً؟!

  • ثالثاً: 【استعمال المنطق البُسطائي الجميل】: -

نلاحظ أنّ الأمير استعمَل البرهان البسيط اللطيف، ولم يستعمل البرهان الغامض الشديد؛ فكان ذلك أبلغ للقصد وأقوى للحكمة وأَثبَت للصواب.

  • رابعاً: 【التقييم التدريجي والإنصافي】: -

إذ نجد الأمير قَـيَّم ابن الجبائي في مراحل؛ ففي مرحلة المجلس قيَّمه بصورة تسلسلية إلى أن أوصله إلى محله الواقعي في نهاية المجلس بما يتناسب مع درجته ورتبته العلمية؛ فكان منصفاً عادلاً.

ثم في مرحلة ما بعد المجلس رَفَعَه؛ إذ ما أن بَلغ ابن الجبائي مرتبة أبيه، إلا وقُرِنَ به، فصار اسمهما واحدٌ: 【الجُبائيان】؛ فأعطي المنزلة التي يستحقها بين أقرانه بإنصاف وعدل.

  • خامساً: 【لعوام الناس】: -

نلاحظ أنَّ الأمير قَـيَّم ابن الجبائي على أساس مقياس العلم فحسب، بخلاف المقياس الذي يتبعه السفهاء والبسطاء والحمقى؛ حيث يكون التقييم عندهم على أسس هَبلاء متنوعة؛ كـ:

التقييم على أساس الصَّاية، والمَداس، والعباءة 【البشت】، والعمامة، مع أنّ هذه الملابس يستطيع أي طالب علم أن يلبسها منذُ أول يوم يدخل فيه مجال طلب العلم في الحوزة، بل البعض يرى استحباب ارتداء ذلك من أوائل أيام الدخول في الحوزة والتفرغ للعلم.

وكذا ربما كان المقياس عندهم هو نفس جَودة هذه الملابس وعدم جودتها؛ بحيث كلما كانت الجودة أكبر؛ كانت المرتبة في نظر البعض أكبر، والعكس عند البعض الآخر؛ فكلما كانت الجودة أقل واللباس قديم وغير مرتَّب؛ كلما كانت المرتبة أكبر.

وكذا ربما كان المقياس عندهم هو درجة الجرأة على الدِّين، والإفتاء بلا مخافة الله سبحانه؛ فكلما كنتَ جريئاً على الدِّين، تتكلم بعلم وبلا علم؛ فأنت أرفع وأعلى وأعلم عندهم.

وكذا كلما ادعيتَ العرفان وأنك من العُرَفاء وتكشف البواطن وتَعْلم بالغيوب؛ كلما كنت قديساً لا يدانيك في المنزلة العلمية أحد على الإطلاق البَـتَّة.

وكذا ربما وجدتَ المقياس عندهم هو درجة التقليد وتجميد العقل؛ فكلما كان عقلك كلاسيكياً تقليدياً جمودياً؛ كلما كنتَ عندهم الأعلم والأجدر.

وكذا ربما كان المقياس عندهم مَن هو أبوك؟ ذاك الفرَّاش في المدرسة أو ذاك الزبَّال أو ذاك فلاح؟ أم ذاك العالم الذي رحل؟

فإن كان أبوك الأخير؛ نلتَ جميع مناصبه! وصار الدِّين لعباً في يده الجاهلة العمياء الغاوية، وإن كان أبوك مما قبل الأخير؛ فالولد يرِثُ أباه في حياة أبيه وبعد مماته، ولو كان خبير العصر، وفاتح فتوحات العلم، وعَلَم الأساطين!

مع أنّ الكثير من الأنبياء فلاحون ورعاة ماشية، عملوا في الزراعة ورعي الأغنام، ورغم أنّ الكثير من أصحاب الأئمة الكبار الفطاحل الذين عليهم تقوم الرواية، كانوا قصابين وحمّالين وجمالين؛ كصفوان الجَمَّال وغيره.

ومع أنّ ابن نوح أغرقه الله، وهو ابن نبي، وجعفر الكذاب لعنه الأئمة، وهو ابن إمام.

وكذا ربما كان المقياس عندهم مَن الذي يعطيك مالاً أكثر ولو في ظل عدم الاستحقاق.

وكذا ربما كان المقياس عندهم درجة الجرأة في التصارع والتقاتل والتفسيق والغَلَبة بالشتم وتضليل المفكرين والضالعين في العلم والمجددين للدين وفق متطلبات الدنيا والحياة ومستجدات العصر، في ظل كون الإسلام ديناً مرناً قوياً متماسكاً مطاطياً، يقاوِم كل الظروف ويستطيع التكيف مع جميع العصور ومستجدات التطور البشري والصناعي.

وغير ذلك من المقاييس البهيمية البلهاء التافهة في قِبال مقياس العلم والمعرفة الأوحد عند الله والحكماء.

  • سادساً: 【جزالة الأخلاق ورقة المعلِّم】: -

نلاحظ أنّ الأمير كان مرناً واسع الصدر، حكيم الفعل؛ حيث تعامل مع خطأ ابن الجبائي برفق وليونة ومِراس أخلاقي جميل، على خلاف ما نجده لدى بعض المعلِّمين من الحماقة في الردع، والشدة في التأديب والتهذيب عندما لا يـَـتطلب الحال سوى بعضاً من الرَّويّة والتلطّف والتهذيب العلمي والعملي.

  • سابعاً: 【تقبُّل التهذيب】: -

نلاحظ أن ابن الجُبائي لم يـَستنكِر، وتَقبَّل الردع ومراحل التهذيب بشكل سلس وجيد، فلم يَستنكف ويخرج من المجلس بمجرد شروع الحدث، بل أتم إلى النهاية، ولم يتحدث عن الأمير في ظهره بالسوء، ولم يـَرفع صوته ولم يـَـتمثل بمنازل وكمالات غيره ليقل مثلاً:

أنا ابن الجبائي، أنا ابن العالم الكذائي، أنا وأنا..

مع أنه كان له حق الرِّفق والعناية، من باب: 【لأجل عَيْن تـكْرَم مدينة】، ولكن الرفق هنا لا على أساس الغير والعلم، وإنما يكون في موضعه: بالاعتراف بجميل الأب وصنيعه وخدمته، ومن ثم العناية بأبنائه وأحبته من باب الاحترام له والتبجيل والتوقير لصنائعه ورَدِّ الإحسان بالإحسان والجميل بالجميل؛ فلكل شيء ميزانه.

  • ثامناً: 【عدم التقلُّص والانهيار】: -

فإن ابن الجبائي لم يصبه الضعف والتقهقر والتراجع بمجرد التهذيب والتأديب ونيل الحق مَناله، وإنما عَرف النية والقصد على أتم وجه، واشتدت نفسه بالعزم والحماسة بعد أن فهم قدر أبيه وأن القدر للعلم لا للجاه، فانطلَق ينال المعارف والعلوم بشغف، يسهر ليله ويكدح نهاره؛ ليتكامل وليحفظ أباه بين الناس ولا يقلِّل من شأنه.

وهذا بخلاف ما تجده في البعض؛ إذ فضلاً عن أنه لا يـَستقبل التأديب والتهذيب، تجده ينهار ويـتراجع ويتقاعس، وما ذلك إلا لخيبته، وقلة إخلاصه، ونفاد إرادته، ومحدودية عقله في فهم العلاقة الأبوية الروحية بين المعلِّم والمتعلِّم، وأُسس وضوابط التعلم، فالعلم جمرة، لا تــُـمسَك إلا بمنقاش، ومنقاشه: ضوابطه وأسسه وآدابه؛ من:

【الوعي】 و【قوة النفس واشتدادها بالحماسة】 و【اتزان الشخصية】 و【درْك نية المعلِّم】 و【التواضع】 و【الخضوع بعد اختيار تسليم النفس إليه بتَخَيُّرِه وانتخابه】 و【التقدير لصنائع المعروف والأتعاب والبذل】 و【الاحترام】 و【الذِّكر الجميل】؛ فالحُسْنُ حَسنٌ ومِنكَ أَحسَن، والجميلُ جميلٌ ومِنكَ أَجمَل.

  • تاسعاً: 【عقلانية الحضور】: -

حيث إنّ الجالسين أدركوا حكمة الأمير، وغايته في الفعل، وأنه إنما يريد التهذيب والرفعة والرقي، والمهذِّب يحق له - في الحكمة والوعي - ما لا يحق لغيره، ناهيك عن أنه أميرٌ وله ولاية الأمر والقيادة، كما أنَّ المتعلِّم الجيد الذي يسرع به الارتقاء هو الذي يعقل مقاصد مهذِّبه وغاياته النبيلة؛ فيــَغتنم ولا يـَتحرَّج؛ إذ ليس من أحدٍ كامل، فالكمال لله تعالى، وكلنا نتعلم ما نجهل، وكثيراً ما نَنال الآداب والفضائل من خلال الخطأ.

لذا؛ لما تكامل ابن الجبائي؛ نال قدره بين الناس، ولم ينقِّص ذلك من شأنه شيئاً، بل أصبح رئيس مَن حوْلِه من العلماء والمشايخ، ومهتداهم ومقتداهم.

  • عاشراً: 【للعلماء】: -

كان الجبائي الابن قليل الدرجة علمياً، وكان العلامة الحلي في صغر سنه قبل البلوغ رفيع الدرجة العلمية، والعلماء رَفعوا ابن الجبائي لما أصبح أعلم منهم، وخضعوا له وتواضعوا لعلمه، وأعطوه قدره ومنزلته ولم يستنكفوا، ولم يتكبروا ويتجبروا.

أما العلامة الحلي - الذي بَلغ الاجتهاد قبل البلوغ، ولم يـَـبلغ الاجتهاد قبل البلوغ أحد قبْله - عانى ما عاناه من العلماء، الذين استصغروا سِنّه، فلم يكن لقوله ورأيه العلمي قيمة بينهم من أجل ذلك، ولم يوقِّروه في مجالسهم!؛ فكان المقياس عندهم هو المـَظهَر لا الجوهر، كان العمر هو الحَكَم، لا العلم، وهذا لا يتناسب مع الحكمة وأخلاق النبيين وخُلفاء النبيين، وإلا فكثير من الأنبياء وكذا أئمة الهدى عليهم الصلاة والسلام كانوا علماء منذ الصغر.

فلو كان المقياس عند الله تعالى أو عند مَن لا يعتقدون بنبوتهم أو إمامتهم عليهم الصلاة والسلام هو السِّن؛ لما حقَّ لنا الاحتجاج على مَن لم يــَقْبَلوا منهم بمجرد مقياس السِّن.

فكيف ننهى عن فعلٍ ونَشْنأهم به ونأتِ بمثلِه؟!

حَسَــدوا الفتى إذ لم يـَـنــــــــــــــالوا سعيـهُ ♦ فالقـــــومُ أعــداءٌ لهُ وخُصــــــــــــــــومُ

كضَــــــــرائرِ الحسنــــــــــاء قُـــلْنَ لِـوَجْـهِهـــا ♦ حسداً وبَـغْــيـــــــــاً إنّهُ لَــدَمــــــــــــــــيمُ

والوجهُ يُشْـــــــــــــــرِقُ في الظــــلامِ كأنَّـــــهُ ♦ بدرٌ منــيرٌ والنســــــــاءُ نُجـــــــــــــــــــــومُ

وتَرى اللبيبَ محســــــوداً لَمْ يـَجْــــــــــــتَرِم ♦ شتْم الرجال وعِــــرْضه مشتــــــومُ

وكــــــــــذاك مَن عظمتْ عليـــــــــهِ نعمـةٌ ♦ حسَّـــاده سيـــفٌ عليه صَـــــــرُومُ

فاتْـــركْ محــــــــاوَرة السفيـهِ فإنّهــــــــــــــــــــــــــــــــا ♦ نَدَمٌ وغبٌّ بعد ذاك وَخِــــــــــــــــيْمُ

وإذا جَرَيتَ مع السفيهِ كما جَرَى ♦ فكلاكما في جَــــــــــــــــرْيِـهِ مَذمـــومُ

وإذا عتبتَ عـــلى السفيـهِ ولمــــــــــــــــــــتَه ♦ في مِثْــــلِ مـــــا تأتي فأنت ظَلــومُ

لا تَـنــْـــــهَ عن خُــــــلقٍ وتـــــأتي مِثْــــــــــــــله ♦ عـــــارٌ عليك إذا فعلتَ عظــــيمُ

ابدأْ بنفْسِــــكَ وانـهَـــــهـــــا عن غَيّهـــــا ♦ فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حكــيمُ

فهناك يُـقْــبَــلُ ما وَعظتَ ويُقتـــدَى ♦ بالعلمِ منكَ ويَــنفــــــعُ التعــــــلـــيمُ

وكذا يجب أن يكون تقييم الآخرين على أساس البراهين الحقيقية، لا الاختلاقات الوهمية.

ختاماً: -

لربما وَسوسَ الشيطان للإنسان بسوء الظن في الآخرين، فقال مثلاً:

إن ابن الجُبائي طلبَ العلم للرياء والمنزلة والسمعة دون إخلاص، لا للرقي والكمال.

فهذا سوء ظن إذا لم نجد عليه دليلاً، وهو من باب الاغتراف من 【إناء الوساخة】 وإناء النظافة بجانبه ليس بينهما سوى فكرةٍ في الجوهر؛ ما بين قوة المتصرفة في صفتها 【المتخيِّلة】 باعتبار استعمال الوهم لها، وصِفتها 【المتفكّرة】باعتبار استعمال العقل لها.

خصوصاً وأن الجُبائي الولد لربما كان معتاداً بالدخول مع أبيه إلى المجالس، والجلوس بجانبه يخدمه ويُعِينه، والابن رفيق أبيه، يجالسه في مجالس الآخرين محاذياً، وليس في ذلك عيبٌ، بل ربما كان هو الواجب المتعيِّن في حالات؛ كضعف الأب أو رغبة الأب في مجاورة ابنه له ليتعلَّم منه، فالأقربون أولى بالمعروف.

ثم لما اشتبَه الجبائي الابن وأمره الأمير بتغيير موضعه؛ انصاع وامتَثَل، ثم امتثَل، ثم امتثَل، إلى أن انتهى به الأمر إلى موضع الاستحقاق.

ثمَّ لما نصحه الأمير وبَيَّنَ له سبب كون مجلس أبيه بجانبه في الصدر؛ أدركَ الحُجَّة، وأيقنَ بأنَّ مقدار الإنسان عِلمه، وأنَّه - كما قال عليٌّ صلوات الله وسلامه عليه - تَكَلَّموا في العِلم تَـتَبَـيَّن أقدارُكم، وأن لا ميزان للمرء سوى قَدْر ما يُحْسِنه.

وما نيل المعالي بالتمني.

نهايةً ليس ما ذكرناه يعني تقديس شخصيات الحادثة أو ما لديهم من توجهات، فبطلان بعض الأفعال أو بعض المعتقدات لدى شخصٍ لا يَمنع من الإفادة من حوادث الدهر، ومما لدى ذلك الشخص من الرؤى والجهود النافعة، ما لا يفيد أنّه شرٌّ مطْلَق، فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخَذها، ومِن غير الإنصاف الزهد بما لدى الآخرين من النفع بمجرَّد وجود سَقطات أو أباطيل عندهم. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[المائدة: 8].

أسأل الله لي ولكم العافية، والإخلاص، والجد والعمل.

والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الخاتَم، وآله سادة العالَم، وعلى صحبه المنتجَبين.

قم المقدسة - 27 ربيع الأول 1435هـ
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com