آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شقشقيةُ مواطنٍ فيما ابتَدَره عسكر العوامية

السيد أمين السعيدي *

بعد حمده تعالى على بلائه، وأفضالِه ونعمائِه، والصلاة على نبيهِ وآلِه، والمنتجبين من صحبه في وقائعهِ وأفعالِه، أَبثُّ شكواي عن نفسي وإخوتي وجميع مَن حولي من المسْلمين والغيارى..

إنَّ مِن أشد ما يُضني الغَيور، ويفلُّ الفؤاد، ويَشتَدُّ بالنفْس، ويَعْدو على البال بتَشعُّبِ الأحوال وبَوادِرِ الأهوال، أن نَرى مجموعة من أقاصي البلاد جاؤوا إلى منطقة من مناطق المملكة، تحديداً «العوامية»، باعتبار حِفظِ أمنِها ونظامِها واستقرارِها، قد أخذَتْ فيهم الجرأةُ مأخذها بِقلةِ الورَع، وبُعد التعقل عن ارتكاب القبائح، بما كَشفوا به عن حقيقة الـمَوْقِع، وما هم عليه من الواقع! وبطلان الغاية!

فمتى كان الوَدَعِيُّ المستأمَن على الدار خَوَّاناً، يَنزلقُ به سيفُ لسانِه بما تأباه الرجال، وتَتفطن بقبيح ما ارتَكبَ الصِّبْيةُ الصغار؟!

أربعة ممن يسمَّون برجال الأمن وحماة الوطن! في منطقة «العوامية»، يقومون بالتصوير بأدنى درجات الخِزي، على القَدر الذي يُخْجِلُ اللَّبيب، ويتلفَّظون بألفاظ فاحشة لا يقولها المسلم في حقِّ الـمُسلِمِ أخيه، وإليك بعضها، فلتستلذ الأسماع وتتعاظم القرائح:

«هذه الشيعية والله الظاهر إنها رايحة تتمتع، مسوية فيها إيش محتشمة!...!».

لَعَمْري إنّ الإساءات التي ارتُكِبَتْ سلفاً، من اعتداءات شبيهة، وتكفير وتحريض على المذهبية والكراهية بين أبناء الوطن والمسلمين، كان الصمتُ عنها داعياً من الدواعي لأنْ يقوم هؤلاء المتفرِّدون بكل إقدامٍ وصَرامَة بما صَدَر عنهم مِن اجتراح، فعلٌ لا يَسكتُ أمامه إلا عديم الغيرة ونافد الحمية وقليل الرَّشاد، فالشَّرُّ بالصمت يسري غداً لي ولجاري ومَن حولي من أعراض المسلمين، ولستُ أظنُّ أنَّ الشريف يعتزُّ بشعبٍ يغلِقُ فمَه، ويَضعُ قَلَمَه، ويَحْجِزُ ما يَملك من أدوات الاستنكار، فيَلتزِم الصمت عن عِرضِه وشرفِه وأمنِه واستقرار المسلمين مِن حولِه؛ وما بعد الشرفِ لشيءٍ من قَدْرٍ ولا قيمة.

إنَّ مَن يَحتضِن زمام المسؤولية، ويَرفع على عاتقه لباسَ شرفِ حماية الأمن والشعب والمسلمين، مِن أَبْدَه ما عليه أمام الله ومَن استأمنه أن يحامي عن حريم الناس عامة، والضعفاء خاصة، وأن يُعمِّق في الآخرين معنى السلام والقدوة والأُخوّة والـمَحبة، وإلا كانت القدوة في نفوس الشعب - بكل أطيافه شيعة وسنة - على العكس تماماً، وهو ما لا يَودّه مواطن شريف يعيش في أرض الحرمين، ومهبط جبرائيل الأمين، وموطِن التَّنزيل، ومَوطِئ رسولنا العظيم ﷺ الذي بعثه الله تعالى للناس أَمناً ورحمة؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم[التوبة: 128].

قطعاً لسنا نحاسِب الجميع على تصرفات انفلاتية نَبَغتْ من بعض الأفراد، وإنِّي شخصياً رأيت من إخواني السُّنَّة الشرفاء الأعزاء، الأوفياء لدينهم وأخلاقياتهم ومبادئهم وتقاليدهم وشِيَمِهم، قد استَنكروا فعل هؤلاء المتجرِّئين، وبادروا قبل الكثير من إخوانهم الشيعة، ووَصفوا هذه الوَقيعة، النكراء، بأشد ما وصفها به نفس أهل المنطقة الغيارى الشرفاء.

وما هي إلا كلمة واحدة، وليست لأولئك الجناة، وإنما لمن تُحَدّثه نفسه بمثيل صنيعهم البائس؛ لأن أولئك لهم نصيبهم في قضاء الله وقضاء دِينه وشرعِه والمسلمين؛ أما غيرهم ممن يماثلهم، فهم أمام فرصةِ اللسان ومَقْطَعِ سيفِه وفرصةِ الفطنة والتعقل، والكلمة:

«إنْ لم يكن لكم دِين، وكنتم لا تَخافون المعاد؛ فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرُباً كما تزعمون»؛ فإذا لم تكن مبادئ وقِيَم الإسلام حاكِم النفْس، ولم تَجد الغيرة على المسلمين ومَسالِحِهم وحِماهم سبيلها في العقل والقلب والوجدان؛ فليحكمها - على الأقل - أعراف العرب والعِرق والجماعة والقبيلة؛

فإنَّ العرب ما كانت تجد في عاداتها أن يَتعرَّض الرّجل - كبيراً كان أو صغيراً - للمرأة السَّلِيطة، وكانوا يعدُّون ذلك من العار على الرَّجل، لا يفارقه إلى أَبدِ دهرِه، يُعيَّر به هو وقومه ومن ارتضى بفعله، فكيف بالمرأة الـمُسِنة الضعيفة التي تسير في شأنها «غافلة» عما يجري حولها؟!

فهل سنجد ما يُرِيْح النفس؟ ويُطَمِئن القلب؟ ويَعْزِمُ الثقة بالقضاء والقانون؟ ويَسترسِل في الوجدان والضمير بأنّ ما حدَث غير مقبولٍ رسمياً، وأنه اعتداءٌ سافر من متفرِّدِين لا يمثلون المملكة في أفعالهم التي خرجت لا عن إرادة رسمية مسبَقة؟

فالشعب كله على وتيرةٍ واحدة، سواء، كحدِّ الشّارِب، والأمن إذا زُلْزِل؛ فليس مآله إلا للبديل بين الناس، وهذا ما لا نوده ولا نأمله البتّة، فبالأمس كان الحديثُ عن تهدئة الشباب والناس، وتهجين صولتهم، وتخدير آلامهم، إلى حين الوعد المأمول تَحقّقه مِن تَدارك آلام المواطن وجراحات قلبه وضنك عيشه، ثم اليوم؛ بعد أن بَذل الرِّجال جهودهم في تسكينِ الجرح وتضميدِ القرح، وتأليفِ النَّزْعة، نَرى ما يلهب النفْس ويَحفر الـمَواجع الأليمة!

أفلا يستحق الشعب كافة، وأهل القطيف خاصة، وسكان العوامية بالأخص، كلمة تطمين علنية، ونبرة استنفار حادة، وإجراء عقوبة، وردع للأشباه عن مزاولَة مثل هذه التصرفات والتحريض عليها، أو أقَلّها عدم الإعلان عنها بهذه الصورة من الافتضاح الغير لائق بالعبد المسلِم المؤتَمَن، الشاهدة عليه جوارحه ومِن ورائه رقيبٌ عتيد؟

قالوا في دساتير السائسِين: «الشرُّ يَجلبُ الشر، والخيرُ يَجلبُ الخير»، وما أَجْمَـلَ وأحلَى وأبهجَ وأبهى وأزهى في النفْسِ الثانية «الخير»، وما أنكى وأنفرها من الأولى؛ فليس من مسلمٍ يتمنى الشرَّ لأخيه، ولا أن يجابَه بالشر ما دام هنالك مَن يَقطَع بين الناس بالنزاهة، ويعاقِب المسيء بإجرامه، ويدين المعتدي بإقحامه، ويُلبِسُ الحدَّ مستحِقَّهُ بآثامه.

وهؤلاء هم أولئك، نذكرهم لله، ثم للقضاء، ثم للتاريخ؛ والتاريخ فيه عبرة للآتي واللاحِق ومَن تسوِّل به خبيئتُه:

1 - العريف الركن عابد فوَّاز؛ مصوِّر، ومعلِّق، «يرتدي هو وأقرانه الذين معه لباساً مدنياً!!»؛ تَعرَّضَ لعِرض امرأة شريفة كبيرة في السن تسير في الشارع، وشَتَمَ شعب منطقة بأكمله وشريحة واسعة بأجمعها؛ من بعض ألفاظه نَصَّاً دون زيادةٍ أو نقيصة:

هذه منطقة العوامية عامَتْ عليها إن شاء الله عايمة!

ثم ذَكر الأمير أحمد، ولستُ أدري من يَقصد على وجه التحديد، ولربما عنى أحد من معه في المدرَّعة التي وصَفها بأنها مصفَّحة وضد الرصاص، ولكني لم أجد فيمن ذَكَر من الأسماء التالية شخصاً بهذا الاسم.

ثم ذَكر اسم مواطنٍ من أهل تلك المنطقة، عبد الله السريح، وأشار لبيتهم وقال فيه: هذا بيت عبد الله السريح سرَّحَتْ عليه إن شاء الله...

ثم مَروا بجانب امرأة مُسِنّة ضعيفة عفيفة متسترة مصونة، تَشملها عباءتُها ويغطّيها حجابها الأحمدي بكامل جسدها، تسير في حالها «غافلة» متخِذة أطراف قارعة الطريق الفارغ، فقال عنها: هذه الشيعية والله الظاهر إنها رايحة تتمتع، مسوية فيها إيش محتشمة! ثم صَرخ بعضهم عليها باستهزاء وقوة وهم في المدرَّعة ورَوَّعوها..

2 - عبد الله الأسمري، أبو مريم؛ قنّاص على المدرَّعة، بيده السلاح في المدرَّعة التي تسير بين المواطنين العزَّل في الشوارع والأزقة؛ له عبائر.

3 - بدر العتيبي؛ سائق للمدرَّعة؛ له عبائر.

4 - الفهمي؛ مرافق خلْفي في المدرَّعة..

5 - نايف الزهراني؛ مرافق خلْفي في المدرَّعة..

إلى أن دخلوا بمركبتهم العسكرية «قِسم شرطة العوامية»، وسمَّى المصوِّر ما فعلوه وقالوه كله بـ «زبدة مختصرة»!

وزاد في بشاعة الأمر واستفحال المسألة: قمة الاستهتار بنشر التصوير وعدم الاعتبار بأي قيمة للقانون، والحنث في القسم الذي أقسموه بحفظ أمن البلاد وشرف العباد، واللامبالاة بحساسية الوظيفة التي يَشْغلونها، وخَطَر المركبة التي تقلّهم، والأبعاد الفتاكة التي قد تَنْجم عما فعلوه على المستوى الاجتماعي والشعبي والوحدوي والمستقبلي!

فهل بعد ذلك يصح السكوت؟! وهل العقاب العادل إلا محاسبتهم أمام الشعب كافة؟!

قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ «الْغَافِلَاتِ» الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[النور: 23 و24].

وقال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[النور: 4].

وقال عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ[النور: 19].

وقال أحكم الحاكمين:

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[المائدة: 33].

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com