آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

التحليل السياسي بوصفه ثرثرة!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

يبرز حقل ”السياسية“ كواحد من الحقول المعرفية التي يتم التعامل معها بخفة في الوطن العربي، وكأنه مجالٌ متاح لأي كان أن يلجه، كيفما كان، ليدلي بدلوه بوصفه ”خبيراً“ و”محللاً استراتيجياً“، وهي الصفات التي طالما تراها تتقدم الكثير من الوجوه التي تطل عبر الفضائيات العربية، دون أن يملك غالبية من يلقبون بها أبجديات ”السياسة“ التي تمكنهم من تقديم تحليل أو قراءة علمية موضوعية، للأحداث الجارية على الساحتين العربية أو الدولية!.

الفضائيات العربية المتنافسة على استضافة الأسماء المختلفة من أنصافِ كتابٍ وأشباه مثقفين، والتي يسعى عدد منها لسد ثغرات البث المباشر، دون تمحيص أو اختيار سليم للضيوف الذين يطلون على المشاهدين، هذه الفضائيات التي لا تعتني كثيراً بالمهنية، ساهمت في تكريس النظرة السطحية للفرد العربي تجاه الأحداث التي تحيط به، وحولته لمتلق سلبي، لا يبذل جهداً في إعمال عقله، وإنما ينساق بكسل نحو تبني وجهات نظر، تكون عادة متقاطعة مع رغبوية جوانية لديه، عمقها حال الانقسام السياسي والطائفي الحاد في المجتمعات العربية، بحيث باتت عين الفرد عاشقة لكل ما هو مشابه لها، وكارهة لما يتعارض مع ما تراه صواباً مطلقاً.

وسائل التواصل الاجتماعي، بدورها ساهمت هي الأخرى في تعمية الرؤية السياسية. والوزر هنا لا تتحمله هذه الوسائل في ذاتها، فهي مجرد وعاء وأداة ناقلة للمعرفة، ومسرعة لانتشارها. إلا أن ما ينوء بالوزر هي المجتمعات المنتجة للمعرفة التي تسوق وتعمم من خلال هذه الوسائل.

”الواتس أب“، يأتي كمثال شاهق على تعميم ”الجهل السياسي“. فكمية المواد التي تبث من خلاله، وتصل بوصفها أخباراً خاصة أو مقالات رأي أو تقدير موقف، كثير منها يكون من دون مصدر موثوق، أو يحمل توقيع أسماء مجهولة غير معروفة، ورغم ذلك يتم التعامل معها من قبل شريحة واسعة، وكأنها معلومات صحيحة، أو على الأقل، معلومات محتملة الصحة، قابلة للتصديق، مشكلة بذلك الرأي العام لقطاع من المتلقين. لا لشيء، إلا أنهم لا يجدون بينها وبين كثير مما يقدم عبر وسائل الإعلام فروقاً كبيرة، أضف لذلك غياب الشفافية في نشر المعلومات والإحصاءات والوثائق في الوطن العربي.

بالعودة لمفهوم ”السياسة“، فإنه من السقم النظر إليه كمفهوم ناجز، أو علم مكتمل له قواعده الثابتة والمستقرة، وكأنه علمٌ حسابي صرف، تكون نتائجه معلومة بناء على المقدمات التي يبتني عليها. فيما الحقيقة أن ”السياسة“ لم يكتب آخر حرف في كتابها بعد، ولن تنجز كحقل علمي مكتمل، لأنها في حالة تشكل وصيرورة دائمة، تعتمد على التجربة البشرية من ناحية، وعلى تداخل العديد من العلوم من ناحية أخرى، وتؤثر فيها عوامل غير متوقعة أحياناً أيضاً. فالمناخ، والزراعة، والإعلام، وحتى الثقافة والتاريخ، جميعها عوامل تؤثر في السياسة سواء بمعناها اليومي، أو حتى على المديين المتوسط والاستراتيجي. وهي عوامل لا ينظر لها بجدية في التفكير السياسي الكلاسيكي، والذي هو أشبه ما يكون بالتفكير ”الوثوقي“ في مغلبه، أو تفكير لا يتجاوز أدبيات ”الأمير“ لميكافيلي!.

السياسة يجب أن يتم التعامل معها ككائن حي، ينمو، يتطور، يتغير، يمرض، يشيخ.. وبالتالي، من يريد أن يقدم نفسه بوصفه خبيراً بها، لا بد أن يحسن التصرف مع هذا الكائن في جميع مراحله، ويعي ما العوامل المؤثرة في كل حقبة. ودون ذلك، سيكون ”الخبير الفخور بحاله“، مجرد ”مثرثر“ لا أكثر، وربما أقل!.