آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 7:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

العقل الواعي واللاواعي

أحمد آل درويش

للعقل حسان: حسٌ واعي وحسٌ لا واعي، ولأي شيء تريد أن تدخله في عقلك يجب أن يمر في هذه المرحلتين وبدونهما لن تستطيع أن تكتسب أو تتعلم أو تفعل أي شيء بفعالية دون المرور على هذان الحسان.

في تعلم المهارة الجديدة يوجد لها حسان، الواعي واللاواعي، فإذا قلنا تريد أن تتعلم النسخ على لوحة المفاتيح بالطريقة الصحيحة، في البداية ستتعلم وضعية اليد الصحيحة على اللوحة، بعدها سوف تضرب بسبابتك حرف ”ب“ و”ت“ وبعدها سوف تنتقل إلى أحرف ”ن“ و”ي“ و”م“ و”س“ بالأصابع الأخرى وتدريجياً ومن ثم من لوحة المفاتيح الوسطى إلى العليا والسفلى وهكذا. هذه الخطوة تسمى الحس الواعي بسبب تركيزك الشديد وعدم تشتيتك على ما تضرب من أحرف ولكن إذا توقفت في هذه المرحلة لن تستطيع أن تصبح ناسخ سريع وهنا تأتي الممارسة تلعب دورها الحساس في التعلم، بحسب ما تفرغ وقتك لتعلم هذه المهارة تحدد سرعة انتقالها من الحس الواعي إلى الغير واعي والنتيجة أنك سوف تنسخ 50 كلمة في الدقيقة وأنت تتكلم مع زميلك وترفع سماعة التلفون وربما تفكر متى ينتهي دوام اليوم لترجع إلى شقتك أو منزلك. وهذا ما يسمى بالحسن اللاوعي وهذه أعلى مرحلة من الممارسة لأنك أصبحت متمكناً من النسخ.

في شهر سبتمبر عام 2012، التحقت بنوادي فن الخطابة والقيادة والتواصل بمنظمة التوستماسترز باللغة الانجليزية والتي غيرت مجرى حياتي بشكل ملحوظ، في البداية كنت أستلم مهام المدقق اللغوي ودوره يكمن في تصحيح الأخطاء اللغوية وملاحظة الاستخدام الجيد للغة الانجليزية لكل خطيب يتحدث أمام الجمهور ومع أن لغتي قوية جداً إذ أني وجدت صعوبة في الاستمتاع والاستماع لخطب زملائي بالنادي آنذاك، حيث أني لم أستطيع النظر إلى المتحدث بسبب انشغالي بالاستماع. فمرحلة التعلم الانتقالية في الاستماع أتت بصعوبة بعد الممارسة الطويلة وتدريجياً انتقلت من صعوبة التركيز والاستماع الشديد إلى استماع واستمتاع في آن واحد لكل كلمة تُقال في المسرح. فإذا كان العقل يستوعب تعلم المهارات نافعة بشكل واعي ولا واعي، فهل نستطيع القول بأن حتى الأشياء السيئة تدخل في ذهنك بشكل واعي وغير واعي؟

أنا أعتقد بقوة بأن ما تغذي عقلك يؤثر على شخصك داخلياً وخارجياً، في منزلك وعملك، مع أصحابك، مع زوجتك، مع أهلك وحتى حينما تتواصل مع الناس. وأنت من تحدد ما يدخل في هذا العقل ويمر بالحسان. فلو دخلت منزلك بقمامة أحضرتها وأنت بكرامة من الزبالة ورميتها على وجهك، فستكون مشكلة كبيرة بيني وبينك وربما أول شيء تفعله هو أنك تهلكني ضربا وتتصل بالشرطةً ولا تتوقف عن الكلام عن الحادثة لأيام وأسابيع وربما أشهر وسوف تتناقل القصة من جيل إلى جيل وأنت تقول ”هل تصدق ما حصل! لقد رمى بزبالة في منزلي!“

عندما أتحدث عن الأمور التي تدخل بعقولنا كل يوم، يجعلني أفكر بتمعن في هذا المثال السابق هو أن الرجل لم يرضى بإلقاء القمامة بمنزله لأن القمامة رائحتها نتنة وقاذوراتها مستهلكة ولكن أنا متأكد بأن سمح بالكثير من الأفكار السيئة تدخل في عقله الواعي وانتقلت تدريجياً وأصبح يفعلها بغير وعي وهو يندرج أمور مختلفة منها التدخين وتضيع الوقت وعدم القراءة والتثقف وعدم التساؤل والتفكر والسب واللعن والشتم والعنصرية والكره والبغضاء وغيرها مما يواجهه مجتمعنا بغير وعي. أخي القارئ وأختي القارئة، إذا كنت لا تحب أن يُرمى عليك بكيس قمامة داخل منزلك أو غرفتك، فأنا متأكد أنك لا ترغب بأن يُلقى على عقلك إلا ما هو نافع وخير.