آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

صنع في المجتمع

أحمد آل درويش

أكثر من مرة يُقال أن هناك غزو فكري وثقافي وديني على بلادنا وأن من يتأثر بالغرب هو من إنتاجهم ومن غسيل دماغهم المستمر ولكن بعدد المرات التي فكرت في هذه العبارة لا أستطيع أن أقول أن هو غزو بقدر ما أنه صناعة المجتمعات الكبيرة والصغيرة.

القاعدة البسيطة تقول لكل فعل لها ردتها ومثلما هي مطبقة في الفيزياء مطبقة في أغلب مجالات الحياة ومنها المجتمع.

في القرن السادس عشر، كانت أوروبا تعيش الزمن المظلم والمتحكم بالكنيسة التي اعتنقت مذهب الكاثوليك. رجال الدين حينذاك فرضوا على الناس بما يشابه بالخُمس وهو معروف بالعُشر من الدخل السنوي. في سنوات قليلة أصبحت الكنسية أقوى جهة دينية في أوروبا. ولكن الكنيسة لم تلبي احتياجات مجتمعها حتى في أمور الحياة كالخلافات وبين الناس والأمراض الخبيثة والكوارث الطبيعية. وقد عم الفساد لدرجة أن الكنيسة أقنعت الناس بدفع عُشر دخلهم السنوي كتذكرة مجانية إلى الجنة وتم اختلاس الأموال والأراضي. كردة فعل، الناس كرهت الكنيسة بسبب فسادها، وأكثر من الكره، ظهر العلمانيون وتجبروا على الديانة المسيحية حتى بعد محاولات إصلاح ما فيه الكنيسة. تسببت هذه النقلة الجذرية في أوروبا إلى تعليم علماني غير متعلق بتعلم الكنيسة، وكتابة التاريخ من جديد بنظرة إنسانية بعيدة عن المعجزات والخوارق الغير طبيعية.

كمتخصص لغة إنجليزية وحالياً وأدرس الأدب الانجليزية بعصر النهضة، أحاول جاهداً قياس أين نحن من هذا كله. هل نحن أيضاً لدينا ردات فعل سلبية مثل أوروبا ومن ماذا نعيش هذه الردات؟

في مجتمعنا، العادات والتقاليد والعرف تكون غالبة ومختلطة مع الدين أو المذهب وغالباً من يخالفها برأي آخر يُنظر إليه بطريقة غريبة وتساؤلات ”لماذا؟“ أفراد العائلة الواحدة في مجتمعنا هي مرآة تعكس مدى فكرنا وعاداتنا وتقاليدنا الجماعية المتشابهة وكلما كانت مزروعة في عقولنا منذ الصغر، أنتج المجتمع أجداداً لا أحفاداً وهذا ما حد من الانفرادية عند معظم شرائح المجتمع. ولهذا نحن نعيش أيام مشابهة للعصر الأوروبي فقط بعصرِ حديث. أنتجَ التمسك والتشدد بالعادات والتقاليد والعرف الموروث من أبائنا ومن سبقوهم هي الظهور المفاجئ لهؤلاء المخفية أصواتهم كردة فعل للمجتمع بأنه يحتاج إلى التغيير. وهذا ما زاد الأمر سوءً بسبب ردة الفعل القوية هو ظهور الفئات الفكرية المختلفة وما يسموا بالعلمانيين والليبراليين وهم شبه منبوذين من المجتمعات المحافظة كلياً.

وبسبب الكتم الثقيل والسكون الطويل من زلات المجتمعات، ردة الفعل كانت هي الثمن. فنحن من صنعنا الليبراليين والعلمانيين وحتى الإرهابيين منهم فكرياً وانتحارياً ففكروا فقالوا فعملوا. فلا داعي أن نُبرر ما حدث على أنه ”غزو فكري خارجي“ لأنهم ببساطة مكتوبٌ على جباههم ”صُنع في المجتمع“!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
حسين علي
[ USA ]: 15 / 4 / 2014م - 8:27 ص
مقال جميل يحاكي الحقيقة والواقع الذي نعيشه. ولكن لا حياة لمن تنادي، الأغلبية تعرف التاريخ وها هو التاريخ يعيد نفسه. أصبحنا أضحوكة القرن الواحد والعشرين...تركيزنا على الأحكام الدينية أصبح أكثر من تركيزنا على اصلاح أنفسنا، إصلاخ النفس هو صلاح الدين...أسأل الله تعالى أن يصلحنا جميعا ويصلح أمور ديننا
2
أحمد آل درويش
[ القطيف ]: 15 / 4 / 2014م - 9:59 ص
شكراً لك أخي العزيز,

ليست المشكلة التاريخ فهو مكرر ونحن نكرره وهي مهزلة البشرية. المشكلة الحقيقية أننا نعيش في الماضي بدلاً من العيش في الحاضر والتأمل للمستقبل.

الإصلاح لا يبدأ بالجماعة بل يبدأ من الفرد, فعندما نُصلح أنفسنا يُصلح من حولنا.

تحياتي لك.