آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أحمد الغشاش

أحمد آل درويش

كنا ثلاثة أشخاص في قاعة الاختبار، أسمائنا أحمد بالتتالي: كنت أنا الأول وهما الثاني والثالث جالسين على الكراسي. لم أعرف أحمد الثالث ولكني ذو علاقة قريبة مع أحمد الثاني. أتذكر كيف كان ينصحني بتغيير نفسي إلى الأفضل واستغلال مهاراتي التي أملكها وهذا الشخص أثر عليَ نفسياً وفكرياً وأعطاني أمل جديد من نوعه في الحياة. وقت الاختبار أتى والخياران لدي ذلك الوقت: إما أن أُكرم وإما أن أُهان. سميت باسمه تعالى وبدأت حل الأجوبة التي كانت ”حسبي الله ونعم الوكيل“ صعبة. نظرت إلى أحمد الثاني وتفاجأتُ أنه كان يحاول الغش في اختبار مادة ”مقدمة في اللغويات الإنجليزية.“

أنا أيضاً كنت مثلك ومثل أحمد، كنت أحد الطلبة العاديين في مجتمعي البسيط: يغش وقت الاختبارات أو ينتظر أستاذ المادة لكي يساعده للحصول على درجة النجاح. عند تخرجي من الثانوية، التحقت في برنامج السكرتارية التنفيذية في معهد الإدارة العامة مع أني أردت تخصص اللغة الإنجليزية ولكن نسبتي بسبب اهمالي واعتمادي على الغش والطلاب الأخرين فلم استطع الالتحاق. هو ما قتلني قبل أواني.

إذا لا تعرف ما هو معهد الإدارة العامة، فهو غني عن التعريف في الانضباط والصرامة. كطالب في سنة اللغة الإنجليزية، تفاجأت أن المواد ليست صعبة بالنسبة ولكن الصرامة والضغط على الطلاب في الدراسة وحل الواجبات. في الاختبارات الرقابة تكون شديدة جداً ومن هذا وضعني في حيرة ”هل أواصل الغش مثل الثانوية أم أعتمد على الله ثم على نفسي؟“ لم يكن هناك مجال للمحاولة لأني سأطرد لو حتى حاولت الغش. فبدأت بالمذاكرة، كنت أتضجر وأتضايق وأنا أحل تلك الواجبات الثقيلة على المعدة: «كتابة تقرير، كتابة مقالة لوصف صورة، واجب قراءة قطعة، تحضير لإلقاء أمام الطلاب، واستماع»

جاء وقت الاختبار في المعهد، أنظر إلى الطلاب يميناً ويساراً. 90% منهم كانوا في أوراقهم مشغولين بالحل. سميت باسمه تعالى ونظرت إلى الأسئلة ”وحسبي الله ونعم الوكيل“ كانت صعبة. حصلت على 85 من 100. لم أكن راضياً عن الدرجة لأنني كنت واثقاً بأنها في التسعينات. بالرغم من ذلك أحسست قليلاً من الرضى لأنها من جهدي وتعبي. الآن الحمد لله، بكل أمانة أقولها أنا لا أغش في اختبار حتى لو كانت المادة تهددي بالرسوب وليس اجتهاداً مني بل بسبب صرامة معهد الإدارة العامة فله الفضل في ذلك.

ثقافة المجتمع في الدراسة يجب أن تتغير إلى الأفضل. في مجتمعي كبيرنا هو من يعلمنا الغش والصغار يتعلمون ويتطبقون. فمن الضروري جداً أن نكسر سلسلة الغش المنتقلة من جيلنا الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى المستقبل. ربما تفكر ”أنت بنفسك كنت تغش، فماذا تغير الآن؟ هل هو حرامٌ علينا الآن وكان حلالٌ عليك؟“ ولكن الحقيقة، عندما تعيش اليوم كالأمس وتعيش الغد كاليوم، تضيع سنوات أجيالنا في تكرار الخطء نفسه ويُقتل شبابنا وأحلامهم وطموحاتهم. فلا تقتلوا أجيالنا قبل أوانهم.