آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 7:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل نحن متخلفون؟

أحمد آل درويش

في عام 2009، كان لدي محاضرة عرض تقديمي مع زملائي الطلاب وبينما مدرس المادة كان يشرح كيف نلقي بفعالية، ألقى علينا قصة قرية صغيرة في أمريكا الشمالية التي تعتنق دين المسيحية بمذهب الكاثوليك. أهالي هذه القرية الصغيرة جداً بسطاء في معيشتهم ومتمسكين بنفس نمط الحياة الذي نشأ مذهبهم في ذلك الوقت لدرجة أنهم لا يملكون جوالات أو هواتف لا ثابتة، لا يوجد أنترنت ولا تلفزيون لا سيارات ولا حتى رقم سجل مدني! فحياتهم بدائية بمعنى الكلمة. لم أفكر أبداً فيما قلت فنعتهم في ذهني بصوت عالي  ”متخلفون!! يعيشون أياماً مغبرة!!“

تغيرت نظرتي للتخلف بعد فترة من الزمن وما هو عجيب هذا التغير الجذري الذي وقع علي. لا نستطيع القول بأن التخلف هم من لا يعيشون مواكب العصر المتقدم. فالتأقلم على بيئة معينة هو سر مقدرة الإنسان على العيش في جميع مختلف العصور الماضية لأنه ليس ضرورياً بماذا نعيش بل السؤال الحقيقي كيف نستخدم ما نملكه لنعيش؟ في اللحظة التي أمتلك فيها كل أدوات التكنلوجيا من جوالات وكومبيوترات وسيارات حديثة ولكن فكري مازال في أيام كان يا ما كان هنا لا يكون توافق مع الزمان والمكان. فما يحدث في هذا المثال هو أني أمتلك معطيات العيش في زمن ومكان متقدم ولكني فكرياً ما زلت متأخراً في زمن ومكان آخر. عندما نرى هذا المثال في أرض الواقع نستطيع أن نقول أن هذه المنطقة والناس متخلفين بسبب تناقض المعطيات المعيشية المختلفة عن الفكر.

وهذا ما يحدث مع بعض الطلاب المبتعثين لخارج بلادنا، فالبعض ”ليس الكل“ يرجع بشهادة البكالوريوس أو ما بعدها وتراه يتذمر بكل شيء داخل البلد من قيادة السيارة إلى فكر ومنطق الناس وكل صغيرة وكبيرة يقول عنها ”تخلف“ وهذا يرجع لتعوده على معطيات العيش المتقدمة في الخارج بالنسبة لبلادنا وفي الحقيقة هي ”تأخر“ معطيات العيش ببلادنا و”تخلف“ الفكر اتجاه نواحي عديدة. وما يشدني أكثر هنا هو أن الشخص ينزلق في طريق الفكر ”المتخلف“ ويصبح أكثر تخلفاً من الناس الذي هو أو هي تعيبهم بذلك. وحل مشكلة الفكر لدينا تبدأ من الجهد الفردي وتدريجياً تؤثر على الجماعة. لذلك توظيف طاقات الشباب في مجالات التنمية مثل التعليم والتدريب وتطوير الذات هو أفضل استثمار للعقل من وجهة نظري ولمسح ”التخلف“ فكرياً وهذا سوف يساعد على رقي الفكر وعندما يرتقي فكرنا معطياتنا المعيشية تتحسن لأن ليس مهم بماذا نعيش المهم كيف نستخدمها لنعيش؟

الآن في كل مرة أتذكر القرية الصغيرة في أمريكا، لا أقول أنها متخلفة في معيشتها بل متأخرة عن باقي بقاع العالم، لكنهم فكرياً متأقلمون مع معطياتهم. فالسؤال هنا لك أخي وأختي القارئة; هل أنتم متأقلمون فكرياً مع معطياتكم المعيشية؟ وهل سنحسن فكرنا لكي تكون معطياتنا للأمام؟ أم أننا سنكون...؟