آخر تحديث: 15 / 7 / 2020م - 10:17 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التعليم الأجنبي ليس لغة فقط

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة الشرق

تتوفر في المملكة العربية السعودية خيارات تعليمية متباينة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، خصوصا في المدن الكبرى.

فعلاوة على التعليم النظامي في المدارس الحكومية التي تعتمد المنهج السعودي نجد أن هناك التعليم الأهلي الذي يقوم بتدريس المنهج السعودي، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية في الصفوف الدنيا.

وقد أتاحت وزارة التربية والتعليم منذ سنوات قليلة فرصة الالتحاق ببعض المدارس العالمية للطالب السعودي دون قيد أو شرط، بعدما كانت مقيدة، في ضرورة الحصول على تصريح من وزارة التربية والتعليم.

يعتقد البعض أن التعليم الأجنبي وجاهة اجتماعية، مقوماته الأساسية هي تعليم اللغات الأجنبية عبر مناهج غربية، ولهذا يتخوف المحافظون من أثر التغريب على الفكر والعادات الاجتماعية. بينما يهتم التعليم الأجنبي بتدريس اللغة الإنجليزية من الصفوف الدنيا ليس عبر كتب اللغة فقط، ولكن من خلال استخدامها كلغة تعليم للمواد العلمية والأدبية، كما أن كتب التاريخ والاجتماعيات تحمل فكراً مختلفاً عن المنهج النظامي.

منذ الصفوف الأولى كان أبنائي في المدارس العالمية يدرسون ما درسته في السنة الأولى «التعريفية» بكلية الطب من مصطلحات مثل «الخلية والنواة والتمثيل الغذائي وأجهزة الجسم المختلفة بمسمياتها اللاتينية». وفي مادة الأحياء التي تُعلّم كمادة مستقلة من الأول المتوسط استعدت مع ابني ما درسته في الكيمياء العضوية في السنة الثانية - كلية الطب - عن الانقسام الخلوي والتوزيع الجيني. وهنا سوف أستعرض بعض ما يتم تعليمه في المستويات المختلفة ضمن المدارس العالمية:

- المستوى الثالث «Grade 3» في الاجتماعيات «Social Study» يتم تدريس الإسكندر المقدوني، والدولة الرومانية، والحضارة اليونانية، والعصر الفرعوني والهرم الطبقي الاجتماعي.

- المستوى الرابع «Grade 4» عبر كتاب التاريخ يتعلم الطلبة عن العنصرية «segregation» وأن من حرك الثورة ضد العنصرية العرقية في أمريكا هو مارتن لوثر كنج، الذي نظم ثورة السود بعد قضية روزا بارك.

- المستوى السابع «Grade7» في مادة القراءة يتعلمون «التأثير الاجتماعي اللغوي واختلاف الحضارات» عن قصة تحكي عن الفرق بين الأسلوب الياباني والأسلوب الغربي في المحادثة، استطاعت الكاتبة أن تبسط المفهوم للطالب «13 سنة» تشبيه نظام المحادثة الياباني بلعبة البولنغ بينما هي مثل كرة المضرب أو كرة الطائرة بالأسلوب الغربي، وأوصلت فكرتها بأنه لا يكفي أن تتعلم اللغة الأجنبية دون أن تفهم أسلوب طرحها وثقافة المجتمع؛ لتحسن من مهارات التواصل.

حتى في المواد الدينية، المكتوبة باللغة الإنجليزية يتم التركيز على قصص الأنبياء والسيرة النبوية ومكارم الأخلاق والتسامح الديني، بينما المادة الدينية في المنهج النظامي مكتوبة بلغة متشددة، وغير متسامحة مع الثقافات والأديان والمذاهب الأخرى.

لهذا فرغم الرسوم الباهظة التي تكلفنا لتعليم أبنائنا في المدارس العالمية - التي تحمل كثيراً من الانتقادات بسبب الاستغلال المادي من قبل مالكيها، وتسرب المعلمين والكفاءات منها لضعف التحفيز مقابل الجهد المطلوب منهم - إلا أننا لا نجد بديلاً عنها بمخرجات التعليم الحالية التي تعاني من تفاوت مستوى الخدمات التعليمية والتأهيلية لاختلاف القدرات الإدارية أولاً ولضعف البنية التحتية ثانياً.

لقد أهلني التعليم الحكومي لأكون طبيبة استشارية، وعلمني الانضباط والاجتهاد والصبر والكفاح. لكن بالتغاضي عن الفروق الفردية، فمناهج التعليم الحكومية - رغم الاهتمام بتطويرها - مازالت منغلقة، ولا تهتم بالانفتاح الفكري والثقافي، وتركز كثيرا على التعليم الديني بطريقة متشددة، ولا تواكب احتياجات الجامعات أو سوق العمل.

وقد كشف نظام الابتعاث الوطني الثغرات التعليمية من ناحية الانغلاق الفكري والاجتماعي في بعض المجتمعات السعودية، أو صعوبة استمرار الدراسة في الخارج في ظل المنافسة لضعف مخرجات التعليم، كما أن الابتعاث أبرز مواهب لم تكتشف محلياً وتم تكريمها واستقطابها في الخارج.

لا ننكر أن هناك تطويراً واضحاً في منهج وزارة التربية لبعض المواد العلمية، عدا ذلك فالمناهج المحلية لا تقدم سوى نظرة فردية لا تتقبل الآخر المختلف عنها. وبالتالي فإننا نرى أن طلبة المدارس العالمية أكثر انفتاحاً وتقبلاً ومرونة عن أقارنهم في التعليم الأهلي فضلا عن أولئك من هم في التعليم الحكومي.

تجربة التعليم الأجنبي في المملكة تستحق استثمارها بطريقة إيجابية لتطوير شخصية الطالب اجتماعياً وفكرياً.

مديرة إدارة التوعية الصحية في صحة الرياض- استشارية طب أسرة، أخصائية صحة عامة وإدارة الأنظمة الصحية وإدارة الجودة