آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

وَ كَيف اُخْتُزِلنا

هيثم أحمد الثواب *

كُلنا عُنصريون عَلى ما يَبدو، مُتحيزون لِأنفسنا، لِجماعتنا، لكلِّ مَن انتمى إلينا بِهويةٍ أو بِعرق أو قبيلة أو بِلون. كَيف صُيْرّنا بِهذا النحو حتى انتهت هَوياتنا مُختزلة بِصفة، عربي، يهودي، مسيحي، مُسلم، أفريقي، قروي، مدني وإلخ من هذه الصفات التي اختزلت الملايين بصفة واحدة ضيقة!؟ هُناك عوامل عِدة فِي حقيقة الأمر أدّتْ لهذا الأمر، وأهمها البيئة الحاضنة لكل فرد، الطبيعة الإجتماعية والدينية التي ينحدر منها الفرد. فهو بغير إدراكه تكوّن إطاره الفِكرى من هذه الخلفيات القليلة التي عاشها وأُجبر بِشكل أو بآخر أن يعشيها من قِبل مُجتمعه الذي عاش فيه. أن تَكون عُنصرياً مُتحيزاً لفِئة دون أخرى فقط لإن هَويتك وإطارك الفِكري الإجتماعي ينتمي لها هُو الجهل بِعينه وبالتالي أن هذا الجهل يَقود لرِكود [الأرض] إن لَم يؤدي لِفسادها بَدل إعمارها، وهذا النقيض لِما أمر الله بِه من إعمار الأرض التي سُخرتْ بِكل ما فيها لهذا الإنسان.

أول خُطوة لإعمار هذه الأرض، هي فهم الذات وليس فهم الهَوية، ف «مَن عَرف نَفسه، عَرف ربه». فنحن ك بشر وألُناس وَجب علينا فَهم ذواتنا والإنطلاق من التجربة الداخلية للوصول للحد الأعلى من الإرتقاء الروحي الديني، للإنطلاق للتجربة الخارجية وتفعيل الدين والإرتقاء بِه لإعمار الأرض واستغلال مَواردها المُسخرة لنا مِن قبل الله. أي الإنتقال من دور المنفعل إلى دور الفاعل في هذه الحياة.

الَهوية قيد، ليست أداة!

حِين ينحسر الفرد فِي هويته المَتداخلة يَتوه فِي فهمها، ولا يستطيع أن يقفز خارج أٌطٌرها ولا يكاد أن يَرى إلا طرف أنفه، فيموت وتموت قِيَمه وقِيمته، مُحاولة الخروج مِن الهوية الضيقة للهوية الأوسع هي أول الخُطوات للتجديد في كل شيء. أسرد مِثالاُ هُنا، كان زميلاً لي في الدراسة فِي الغربة، أمه صِربية مسيحية، أباه فِلسطيني نزح للأردن، هاجروا واستقروا في الإمارات، وعاش فِي سلوفاكيا، ثم انتقل لألمانيا، يتحدث العربية، يعتنق الإسلام بِروحٍ مسيحية، ينطق الصِربية والسلوفاكية، يُتقن الإنجليزية والالمانية! أي هَوية يمكننا أن نُطلق عليه!؟ هذه هويته التي لا يشاركه فِيها أحد، فحين يتحدث معنا، يفتخر بفلسطينيته، وحين يمتزج مع الأجانب، يتباهى بِحياته في دُبي العظيمة، وحين الجدل، يتوه بِتعريف نفسه بِهوية واحدة، ولا يدري لأي جانب ينحاز!

بِسهولة، هذا الدين أوجده الله [للناس جَميعا] وليسَ لأمةٍ دون اٌمة، فِحين يتجاوز الفرد هويته التي فرضها عليه الواقع وينصهر فِي هوية الإنسان، ذلك الوعاء الذي يذوب فيه كل البشر بِهوياتهم، حَتماً سيعرف نفسه، وسيقوده ذلك لِمعرفة ربه ويعمل للإنسان، لا لأجل هَوية تُقيده وتحبس فِكره خلف جدران الطائفة والعرق!

عزيزي، مزق هويتك التي تسجنك، واعتنق الإنسانية، لتعمر الأرض التي خُلقَتْ لترثها!