آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 3:04 م

الكراهيات المنفلتة!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

المجتمعات البشرية ذات طبيعية متحركة، متقلبة من حال لآخر، وفي أحايين كثيرة يكون هذا التبدل في سلوك المجتمعات مفاجئاً، أو غير مبني على مقدمات منطقية، تتشابه فيه مع التحول الآدمي الفردي، الذي يكون فيه الإنسان مشدوداً لما يقع عليه من عوامل نفسية واجتماعية، تسيره بطريقة غرائزية، قد لا يكون مريداً لها بشكل تام، لكنه ينقاد لها وكأن لا فكاك له من سطوتها. ساعتها يقع الصراع بين العقل الذي يسعى لأن يكون أكثر منطقية، والنفس التي تجمح بعماء يرمي بشررٍ في ذروة العماء والانقياد إلى ”العقل الجمعي“!.

من هنا، كان لزاماً أن تحدد سلوكيات المجتمعات بقوانين ونظم، تجعلها أكثر انضباطاً، دون أن يعني ذلك ممارسة قيود أو أبوية فوقية على الناس، وإنما صياغة شبكة من القواعد التي تنظم علاقة الأفراد والجماعات، وتبني نظاماً تقوم عليه الدولة ”الوطنية“ الجامعة، والتي يكون فيها النظام هو الأساس في بناء المؤسسات الحكومية والأهلية، وعلاقة الفرد بهذه الهياكل من جهة، وعلاقته بشركائه في الوطن من جهة أخرى.

أهيمة الأنظمة ليست نابعة من كبحها للغرائزية والعدوان المتأصل في النفوس، كما يقول المتنبي ”الظلم من شيم النفوس“، وإنما تنتصب الأنظمة كمرجعية يحتكم لها في النزاعات، وكإطار يعيد تشكيل الهويات ”الفرعية“ دون أن يلغيها، ودون أن يجعلها تغلب الإطار الوطني الشامل.

في زاويته الأسبوعية في الزميلة ”الاقتصادية“، كتب د. توفيق السيف مقالاً ”قانون حماية الوحدة الوطنية“، اعتبر فيه أن المجتمع في السعودية في حاجة ل ”تفعيل الإمكانات القانونية المتوافرة لدينا“. مركزاً على ”المادة 12 من النظام الأساسي للحكم“، والتي تنص على أن ”تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام“. معتبراً أن ”هذا النص الصريح يمثل أرضية مكينة لاستراتيجية تشارك فيها الدولة والمجتمع بهدف ترسيخ الوحدة الشعورية وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة“.

السيف يرى أن ”المجتمع السعودي لم يعد بسيطاً كما كان قبل نصف قرن“. كما أن ”الدعوات الأخلاقية والدينية لم تعد كافية لتصحيح الأخطاء“. من هنا يعتقد أنه ”لا بديل عن قانون يجرم الكراهية ويردع تجارها، إذا أردنا حماية وحدتنا الوطنية وسلامنا الاجتماعي، في مثل الظروف المتفجرة التي يعيشها محيطنا الإقليمي“.

هذه الدعوة أيدها في مقال آخر، الزميل خالد السهيل، والذي اعتبر أن ”نتاج الكراهية مؤذٍ“، مشدداً على أن المجتمع في حاجة فعليه ل ”قانون ضد الكراهية“. وهذا القانون ”ينبغي أن يتبنى وضع تصوراته مركز الحوار الوطني وجمعية وهيئة حقوق الإنسان ومجلس الشورى“.

المبادرة السابقة تستشعر الخطر بما يحدق بالمجتمع من مشكلات، نتيجة تنامي الفكر ”المتطرف“ عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وبسبب الصراع الدموي المستمر في سورية، وحالة التأزم المذهبي في أكثر من قطرٍ عربي، فضلا عن استغلال الدين وتسييسه لأهداف حزبية ومصلحية ضيقة، وجميعها عوامل تجعل من الضروري أن يسعى العقلاء لتحصين الوطن ضد هذا الشرر المتطاير من حولنا!.

إن إشكالية الكراهية، تكمن في كونها موقفاً ”استئصالياً“، يجعل ميزان العدالة مختلاً، كونها تشكل غشاوة على بصيرة صاحبها، تمنعه عن رؤية إيجابيات الطرف الآخر الذي يختلف معه. ولذا، تغيب قيم الإنصاف والمساواة والعلمية لدى أصحاب خطابات ”الكراهية“، التي تتحول من موقف نفساني إلى ”عنف لفظي“ وتالياً عنف ”جسدي“ يصل إلى حد تسويغ القتل والإبادة، وهو ما يفسر المجازر التي تقع سواء في سورية أو من قبلها العراق ورواندا والبوسنة، وسواها من مجتمعات تمثل عبرة لمن أراد أن يعتبر!.