آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

أنا والوشم!

أيمن القطري

قابلتُه أوّل مرةٍ بين جمعٍ من الأصحاب، سرعان ما صرفتُ وجهي عنه عابسا. فالوشم الذي طبعه في يمين زنده ختَم على قلبي وسمعي وبصري غشاواتٍ وغشاوات.

كنتُ متأذيا من وجوده، مستاءا من جلوسه معنا. كلّما حاول أن يجذبني بحديثه، صددتُه بنفورٍ كمغناطيسٍ تتباعدُ أقطابه. مضتْ ليلتي تلك وأنا على حالي تجاهه.

بعد فترةٍ من الزمن، هاتفني هو نفسه. أخبرني عن رغبته لنحتسي كوبا من قهوةٍ مسائيةٍ معا. أوجستُ خيفة من أمره وامتعضتُ في بدايتي، لكنّ إلحاحه كان أقوى بكثير من امتعاضي. خرجتُ له بدوامة من أفكارٍِ وخواطر تعصف في جمجمتي:

- ماذا يريدُ يا تُرى؟

- أخشى أن يريد اقترابا مني أكثر؟

- ”أيمن“ كيف لكَ أن تجلس معه بين الملأ وأمام المارة بوشمه الذي هو مهووسٌ بعرضه؟

- ”أيمن“ اعتذر عن مقابلته. فلن يزيدك لقاؤه إلا خسارا!

مع كثرة ما انتابني من تساؤلٍ وتردد، لم أجد نفسي إلا على باب المقهى! لا أدري كيف كان ذلك، ولكني حططتُ برحلي عنده.

رأيته ينتظرني مترقباً، بسيجارةٍ تطرّفت فمه! وكومةً من دخانٍ تحيط بوجهه! أما وشمه فكان كعادته بارزا جليا لكل عابر سبيل... تأفف باطني لذلك كثيرا. فكم ستكون دقائقي معه ضنكة متعبة!

بعد ترحيبٍ شكلي، نادى عامل المقهى ليطلب لي كوبا من القهوة. أجبتُ كرمه وإحسانه... أخذ يتحدث لي عن هموم عمله الشاق وحياته المتعسرة...

حينما كان يروي ما هو فيه، أحسستُ بصدقٍ لبس كلماته، وعفويةٍ طغت على حروفه... فجأةً، تأوّه بشدةٍ وقال:

- آه، لو كنتُ أملك شيئا من المال يافلان!!

قلتُ مستهجنا:

- وهل تريد وشما آخر لزندك اليسار يا هذا؟!

قال بكل هدوء:

- يا فلان أنتَ لا تعي شيئا عني. لا تعي ما يجول مزدحما في صدري من أمنياتٍ وأحلام.

أكمل آهته بعين سكنها غزير دمعٍ استحى من سيله:

- كم بودّي أن أضمّد شيئا من جراحاتِ «العراق». أريد أن أملأ زقاقاتها بصيدلياتٍ وأدوية! مستشفياتٍ وخدمات! أريدُ لهم حياةً سعيدة مطمئنة يا هذا! يكفيهم ألما يكفيهم!

صُعقت من عظيم همّه، فرحتُ أستزيده!

قال:

- يا فلان! لا أريدُ أن أموت قبل أن أصلَ إمامنا الحسن في ابنته «زكيّة». أريد أن أعمر مرقدها المهجور بقيعا آخر يقصده الزائرون. أريد لها مثوىً كبناتٍ عمّها سكينة وخولة ورقية!

ابتلعتني الأرض بعد قولته هذه. وكفى!

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ** قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ** إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ** وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ.

- سورة الشعراء -

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
أبو سيد أحمد
[ سيهات ]: 23 / 5 / 2014م - 2:01 م
المقال جدا جميل ويعكس شيء من الواقع للأسف
2
AliQatari
[ Qatif ]: 24 / 5 / 2014م - 3:17 ص
فخور بك جدا ً أخي ... تابع
3
بدر المصطفى
[ القطيف ]: 24 / 5 / 2014م - 4:55 ص
أحسنت كثيرا
سرد جميل … وواقع معاش
لكل منا أغلفة وبواطن … قد لا يتفقان
إن ذلك يزرع الأمل فينا لمحاولة تشتيت بعض من تلك الأغلفة المنفرة بحثا عن بصيص نور نجعل له فضاءً.