آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نقطة ضوء على حركة التاريخ

باقر علي الشماسي *

في الخمسينيات من القرن الماضي حكم نوري «السعيد» العراق بقبضة حديدية، أذ صُنع في مطابخ بريطانيا «العظمى»: ومن تحت عباءتها جاء «الوليد اللا شرعي» وهو حلف بغداد سيء السمعة وباسناد امريكي كي يخنق مصر ورئيسها عبد الناصر ومن ثم يقضي على حكمه وتستبدله بأخر كنوري السعيد، بيد ان السحر انقلب على الساحر حيث نزلت عليه الصاعقة أذ جائت ثورة الشعب العراقي متمثلة في الجيش العراقي بقيادة عبدالكريم قاسم فوأد حلف بغداد وقبر الى غير رجعه، ولكن «العم سام» واسرائيل حينذاك لم تذق مآقيهما النوم المريح الا بعد ان ينتقما لهذه الهزيمة المريرة، عندئذ هيأت امريكا نفسها للثأر وفقا لحسابات خاطئة، فاعدت اناسا مأزومين لاغتيال عبدالكريم قاسم فتم ذلك، كخطوة اولى ومن ثم تلتها خطوات حتى وصلت لانضاج المرحلة الاخيرة، وهي الانقلاب على الرئيس احمد حسن البكر، فتوجت استخبارات العم سام، صدام حسين ملكا على العراق او لنقل فرعونا على العراق، وقد فاق في دمويته ورعونته الحجاج ابن يوسف الثقفي، كما وفاق اودلف هتلر النازي وموسليني الفاشستي، فاقهما نازية وفاشية في تدمير شعبه عربا واكرادا وكذلك الجيش العراقي، ومن ثم بدا يحفر قبره بنفسه حين اعلن الحرب الغير مبررة على ايران. بوحي من العم سام، امريكا، وفي اخر المطاف رتب قبره واكتمل ليموت في فخ غزو الكويت المصنوع له في امريكا، فكانت نهايته بعد رجوعه من الكويت مهزوما مدحورا: وهذه نهاية كل مستبد مغرور في كل العصور.

وفي مستهل عام 1970 م تخلصت امريكا واسرائيل من عبدالناصر، بطريقتهما المعروفة حيث توفى في ذلك العام: وبعد هذه الكوارث على هذه الامة زحفت على مصر الشقيقة الكبرى ثلاثون عاما عجافا قامت على اثرها ثورة شعبية اوقفت امتداد تلك السنين العجاف، ومن ثم تلتها سنة امر عجافا وقمعا حيث اختطفت الثورة بالكامل، وكانت امريكا وذيلها اسرائيل هما اللذان يغذيان ويرعيان تلك السنين العجاف، واجهاض مسيرة قاطرة الثورة في 25 يناير 2012م واختطافها. وكل ذلك تم وفقا لمخططات أعداء الشعوب الناهضة، وهي الاستخبارات الامريكية CIA كما حدث للعراق وقبله وبعده في كل بقاع الارض، اذ طهيت كلها في مطابخ «العم سام» إلا ان الاقدار الايجابية وهو نصر من عند الله وبفضل الثورة الثانية في 2013م: اقول ان الاقدار جاءت متواترة وبسرعة اكثر مما كان يتصوره احد، اذ سقطا هذان «الالعبان» وهما بيدقان من بيادق رقعة الشطرنج الامريكية:

سقطا في زمن متقارب جدا وقياسي كاوراق الخريف، وكأن تلك الاحداث هي فيلم درامي خيالي بامتياز، او لنقل كأنها اسطورة اكثر اعجوبة ومخيلة من اساطير «الف ليلة وليلة» الذي ابدعها خيال جهبذ من جهابذة الكتاب الروائيين الرمزيين الابداعيين.

المهم ان السفينة المصرية العربية قد نجت من الغرق بفضل فراسة وشجاعة مهندسي انقاذ السفن من الغرق وصيانتها ايضا، لذا رست بسلام على شاطئ النيل، ولكن اشرعتها مازالت تتعرض بين الفينة والاخرى الى رشقات صبية قروش النيل وعبثيتهم الغير مؤثرة: اما هؤلاء القروش المترهلة فهي تسكن اليوم الاحواض الحديدية للتفرج عليها.

وبات من المؤكد بانه حتى الديناصورات في امريكا وفي بعض الاقاليم العربية قد اقرت بعجزها في انقاذ هذه الفصيلة من الحيوانات البحرية الشرسة: وفي هذا السياق للعودة على بدء.

في ضوء هذه الزلازل سنجد كل من يقرأ هذه الاحداث والكوارث والذبح والاستنزاف وهدر دماء الامة وثرواتها وطاقاتها وشبابها بفعل فاعلين كامريكا والغرب عموما، ووكلائهم في الشرق الاوسط كالدولة العثمانية الجديدة المتمردة على نظرية كمال اتاتورك التي بنى عليها دولته الحديثة 1923 م وامثال دولة قطر: من يقرأ كل هذه الامور ويحللها بموضوعية وحصافة وامانة يتضح له حسب تقديري المتواضع بان الثغرات والبؤر القاتلة التي دخل منها الشيطان الامريكي والصهاينة الى مفاصل وجوارح الامة العربية للعبث بمصائرها وسيادتها وبمقدراتها هي تربع بعض المرضى بجنون العظمة على كراسي الحكم وعشقهم لها عشقا جنونيا، زائدا العديد من المجتمعات العربية مصابة بثقافة تراكمية بتقديس الفرد الفرعوني وحكم الحزب الاوحد القامع والباطش المتربع على كرسي الحكم بطريقة او باخرى، حتى وصل الامر بالبعض الى الانقلاب على والده اكثر من مرة، واهدر ثروة شعبه وعبث بها يمنة ويسرى، ووزع عشرات المليارات سنويا كرشاوي على القتلة والسماسرة والتكفيريين ووحوش عصابات المافيا امثال داعش والنصرة وغيرهما من الوحوش الضارية المتلفعة بعباءة الاسلام، والاسلام براء منهم، وذلك ارضاء للعم سام ولاسرائيل: فهل هناك في هذه الامة «التعيسة» نطاسيون كي يعالجوا امتهم من هذه الامراض الشبه خبيثة والمستوطنة في البلدان العربية والشرق الأوسط عامة؟!..

الامة ثرية بمثل هذه النماذج النيرة حسب تقديري، ولديها العديد العديد من علماء الدين النبلاء والاتقياء الذين لم يتلوثوا بامراض الفساد الدنيوي. وكذلك لديها المفكرين والمبدعين والمثقفين الوطنيين المخلصين لقضايا مجتمعاتهم وامتهم، وعلماء الاجتماع الخ، ولكل زمان ومكان رجال وشباب ونساء يحملون رايات الفكر المبدع البناء ورايات الفعل والعمل، غير مبالين ببذل اقصى الجهد واغلى الثمن..

ولكن متى تتاح لهم المناخات والفرص لهؤلاء وتلكم من الكوكبات الرشيدة والمستنيرة للعمل غير الخجول؟؟ الله اعلم..

والسؤال الأكبر والأخطر هو متى؟؟ يستيقظ وعي الامة؟ فترعوي وتقرأ هذه الاحداث المروعة قراءة متفحصة ذكية.

ان الامم المتقدمة حضاريا والتي لم تتلوث عقولها بالاعلام الصهيوني والامريكي مثل «الفتنة الخلاقة» تندهش اليوم وتستغرب بما يحدث للعالم العربي وكانه من نسج الخيال. فهذه المذابح في بعضنا البعض وبهذه الشراسة والوحشية، لم تحدث حتى في الحروب الدينية الاهلية الشرسة في اوروبا كلها، بينما هنا في بلاد «الاسلام» يذبح فيه الاسلام، وتنحر فيه الاطفال والشباب والشيوخ والنساء بالسكاكين ويشرعن اغتصاب النساء، وتساق الألأف من الناس هنا وهناك للسجون والمعتقلات وهم مقيدون الايدي والارجل بدون تهم او جنايات ارتكبوها ضد احد، وتحت مسميات عديدة، فقد البسوا هذه الجرائم ثوب الدين والشريعة!! وبعضها تحت مسمى من اجل تشكيل وتأسيس الخلافة الاسلامية: وكلها زورا وبهتانا، والبعض الاخر للتمسك بكراسي التقديس والحكم المطلق والرأي الاوحد وسرق الثروات، والبعض الآخر من اجل الوصول الى قمة الهرم، ذلك المنتجع السحري ولو على حساب الاف الجماجم من البشر وارزاق الطبقات المسحوقة.

فهل درست ودققت واستوعبت هذه الامة وقممها هذا الطوفان؟ الذي يطوق اعناق الامة حيث بدأ بتمزيق العراق مرورا بسوريا والسودان وليبيا وتونس واليمن، وصولا الى آخر محطة وهي مصر فكانت عصية جدا بل فشل هذا الطوفان بان يحرق مصر ويمزقها..

فاذا كان حقا قد استوعبت هذه الامة التعيسة كل هذه الدروس لتوقف هذا الطوفان فعليها ان تبادر مجتمعاتها بمصافحة بعضهم بعضا وتتعاون في مكافحة الاقصاء والتكفير، وتنسجم القمم مع شعوبها وتبعد عنها النافخين في كير الفتن. وكل المنافقين، وإلا فالطوفان قد يحرق الجميع لاقدر الله، وربما لن ينجو احدا من حريقه مهما تحصن باسوار خرسانية او فولاذية، والرابح الاكبر هما القصران الاسودان في واشنطن وتل ابيب.

«واظن» ان قضية مراجعة الامة لهذا الطوفان لإيقاف زحفه على وجدانها وسيادتها قد لاح في الافق، وربما هي مسالة وقت كي يبدء الايقاع الإيجابي.

وعلى كل حال: كل شيء في الحياة قابل للتغيير وهذه سنة الحياة ولا يوجد فيها شيئ ساكن وجامد.

وكما قال الشاعر قديما:

ذاك زمان لعبنا به *** وهذا زمان بنا يلعب

اذاً الزمن والتاريخ يتحركان وبسرعة في كل ثانية، والذي يجهل هذه القاعدة او يكابر فيها فهو الخاسر والمهزوم حتما، فان لم يصافح التغيير والمتغيرات والمستجدات ويركب قاربها فسوف تبتلعه الامواج وتطحنه انياب قروش البحر: لكون الزمن لا يرجع للوراء اذ ذلك من المستحيلات.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 9 / 6 / 2014م - 10:48 ص
إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه ..!!
كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف