آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما بين المسبق والمطلق

أحمد آل درويش

في عملي بمدينة الرياض، لدي مكتب مفتوح يطل على جميع الزملاء والمدراء أصحاب المكاتب المغلقة وربما تظن أنه شيء سلبي لعدم وجود خصوصية ولكن صدقني فأنا أستمتع بالتجسس على زملائي. ذات يوم أتاني أحد المتدربين ليشكي لمديري المباشر وعندما أقبل على مكتبي توقف قليلاً وقال ”هل أنت موظف هنا؟“ وأجبت ”بالتأكيد.“ وهنا كانت المقدمة ”ملامحك تبدوا شرقاوية؟ أنت من الأحساء أم القطيف أو...“؟ فقاطعته ب ”أنا من القطيف يا أستاذي.“ فكان حكمه المسبق صحيحاً وليس جارحاً ولا عليه غبار، ولكن حكمه المطلق كان مؤسفاً نوعاً ما.

دائماً نتكلم بصورة سلبية عن الحكم المسبق لكونه يحمل أفكاراً مسبقة ربما تكون مليئة بالشحنات التي لا يرضاها المحكوم عليه. بالرغم من التباس الأمرين، فإن الأحكام المليئة باليقين القاطع للشك هو ليس حكماً مسبقاً بل أن حكما مطلقاً. فمعطيات الشخص من لهجته وطريقة لبسه ومذهبه هم حكم مسبق لا يجب أن يتحسس له الشخص وذلك يعود إلى الفكرة العامة للبيئة التي يأتي منها الشخص. والأفكار العامة لا تتغير بل هناك ما يُسلط الضوء عليها الأحداث المؤثرة الحالية.

أكمل المتدرب حديثه معي قائلاً ”يعني أنت شيعي؟“ فضحكت بصوت عالي وأجبت بنعم. ضحكت من خارجي وحزنت في داخلي لأننا نربي أجداداً في كل جيل. فتحدث لي بأننا يوم من الأيام سوف نتحد والمجتمعات في بلدنا الحبيب بجميع اختلافاتهم سيتحدون في قلبٍ واحد ضد أعداء الإسلام. تحدث لمدة 30 دقيقة متواصلة وأحسست بالضجر لطيلة المحادثة. في قرابة خاتمته قال ”لدي سؤال عن مذهبك؟ لماذا أنت تقدس العمامة السوداء؟“ فجاوبته بكل صراحة ”أيها العزيز، أنا لا أقدس العمامة السوداء ولا أصحابها. ماذا أردت من المدير من جديد؟“

فسؤاله لي شخصياً لم يكن حكماً مسبقا بل مطلقا فأدركت ما المشكلة في الحكم المسبق.... ليس هناك فيه أي مشكلة بل الحكم المطلق الذي مهما تقدم الزمن من سابع المستحيلات أن يتغير أو يعتدل إلا من الفرد المنفرد بعقله وفكره ومعتقده وأهمها كيف يرى الآخرين. في النهاية، الحكم المسبق يحتوي على الانطباع العام على الشخص بينما المطلق هو الحكم بالإعدام نفسه.