آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

دين العالمية..

هيثم أحمد الثواب *

بَين الدين والإنسانية رابط لا يمكن فصله، فالدين فِي جَوهره ثابت لا يتغير، وهذا الجَوهر خُلق من أجل الإنسان لِكل الأزمنة ولَم يُخلق لأمةٍ في زمانٍ واحد دُون الأخرى، كذلك المكان، فالدين عَالميٌ فِي رسالته وتَوجهه، إن أخذنا بهذا الإعتراف - عالمية - الدين فإنه يتوجب علينا الإعتراف بالحاجة لِتحديث - تطبيق الدين - في المعاملات الدنيوية وإسقاطه على الواقع الحالي المتطور والمتجدد كل يوم، لا العكس، إسقاط الواقع على الدين، بحيث نُميّع الواقع ونقتص منه ونشذبه من جهة ونشوهه من أخرى فقط ليتماشى مع منظومة فتاوى دينية فقهية اجتهادية - قابلة للنقد - كانت تتماشى مع الواقع قبل قرنٍ وأكثر.

تغيير الواقع بين الحاجة والضرورة

الواقع، نعني به كل ما يُلامسنا من الداخل والخارج مِن تعاملات دنيوية مادية وينعكس علينا وعلى شُخوصنا الذاتية. تغييره هل يعني بأننا نُغير تعاملاتنا التي تدور حول الواقع، وتجعل الواقع مادة ليّنة نُطوعها لتسيير الحال نحو حالٍ أفضل!؟ أم نُغير الواقع، نختزله بحيث يتماهى مع ما نعتقد فيه من موروثات اجتماعية وحزمة فتاوى من المعاملات الدنيوية؟ الإجابة الأكثر سهولة وأكثر منطقية أن يتغيرا كلاهما، خلق منظومة جديدة من التعاملات من شأنها تغيير الواقع من حاله إلى الأفضل. لا يستطيع عاقل أن يُنكر حاجتنا للتغير وحاجتنا لِفتاوى جديدة تسيّر الحياة بِشكل أكثر سهولة وأكثر واقعية بما لا تمس جوهر الدين وشأنها أن تطور المجتمع، فالتغير حاجة وضرورة.

مُسوغات التغيير

كل أمرٍ نريد أن نُغير فيه، لا يعني بالضرورة بأنه فاسد، إنه يعني بأن حاله في هذا المكان وهذا الزمان لا يقدم كامل مصلحته وكامل قدرته على خدمة هذا الإنسان في هذا الزمان والمكان. القبول بالتغيير أول المشوار لألف ميل. في حقبة هذا الزمان يذهب الأغلب للركود لأنه الأسهل، وغالباً كل مجهول يُخاف منه، فقد يقول قائل، وما أدراني بأن القادم أفضل!؟ يحق له أن يتساءل وَ يشكك لأنه موهوم بالتاريخ وموحشو بموروثات تقدس الجمود وتحارب كل مُتغير، فإسقاط قدسية الموروثات المتغيرة، بداية أخرى نحتاجها لإكمال مسيرة التجديد. الإنسان هو الأساس في كل مُعادلات التغيير في الدين والتدين، وليس العكس، فحين نَعي بأن هذا الدين أتى ليغير الإنسان، لينقله من الجاهلية للمدنية، سنعي حاجة وضرورة التغيير والتجديد في فهم التدين والمعاملات الدينية.

قد يكون صعباً علينا التغيير، لأنه يتطلب تضحيات كبيرة، ولكن حين نؤمن بأن التضحية واجبة لكي نُشعل المنارة أمام جيلٍ تاه في لجة الظلام، سندرك بأنها تضحية واجبة وصغيرة أمام تحديات هذا الكون.