آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 10:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تلبية الحقوق تعمر القلوب والدروب

باقر علي الشماسي *

في عصر العبودية الكونية مرورا بعصر الاقطاع، وصولا إلى عهد الجاهلية الوثنية.

هذه العصور قد كرست في الانسان ثقافة تكاد تشابه شريعة الغاب إلى حد كبير. لذا انطلق العديد من الغربيين بدافع من ثقافة العبودية والاقطاع باصطياد الانسان الأسود واقتناصه من مجاهل افريقيا باحابيل شتى وشحنهم في بواخر لتمخر بهم أمواج البحار والمحيطات لكي يصلوا إلى محطات «أسواق النخاسة».. هذه الثقافة البدائية العنصرية والطبقية الحادة، ومن هذه الثقافة جاءت من رحمها الإمبراطوريات في الغرب والشرق واحتقار الجنس الأسود والطبقات الفقيرة وكذلك الطبقة المتوسطة والمعدمة. ومن رحمها أيضا جاءت الحربان العالميتان فغيرتا وجه التاريخ في أرجاء اصقاع الأرض طرا.

وذهبت امبراطوريات وذهب معها سلاطين وحل محلهم الإمبراطور الأمريكي بسبب ممارسته المراباه في الحربين العالميتين وامتلاكه القنبلة الذرية والتي ضرب بها اليابان. وجاءت أنظمة متسلطة ووجوه أخرى من السلاطين ومن ثم تلتها حروب الشرق الأوسط بسبب زرع الكيان الصهيوني كبديل للشعب الفلسطينى. بمباركة ودعم بريطانيا العظمى ولكون أن بريطانيا أفلست بسبب هاتين الحربين ولكون اقتصادها بات منهكا تماما ناهيك عن مديونيتها لأمريكا بأربعة عشر مليار جنيه استرليني آنذاك، لذلك سلمت الراية البيضاء لأمريكا. بعد أن زرعت شوكة في حلق العرب وطردت وجوها حاكمة وجاءت بوجوه أخرى، ومن ثم حلت محلها أمريكا في استعمار العالم ونشر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط وغيره من أقطار العالم.

عندئذ انكمش وخبأ وهج الامبراطورية العجوز بريطانيا بعد أن تركت بصماتها الاستعمارية التخريبية الفتنوية بين بعض الأنظمة على حدودها مع بعضها كخط ماكمهون في القارة الهندية وفي بعض بلدان الشرق الأوسط بتركها ترسيم الحدود لإشعال الخلافات فيما بينها. إلا أن الامبراطورية الاستعمارية الجديدة قد نهجت نهجا جديدا أكثر خطورة من سلفها الامبراطورية المقبورة. اضافة إلى النهج «العبودية والاقطاعية» وهو تفتيت المجتمعات العربية بوسائل اثارة النعرات الطائفية وتوسيع رقعتها في عديد من بلدان العالم العربي والاسلامي بواسطة بعض وسائل الاعلام والأبواق المرتزقة المجندة النكرة من أجل بعث وتكريس ثقافة العبودية والبابوية واللاهوتية الاقطاعية والعنصرية والعرقية الغابرة.. ان احياء مثل هذه الثقافات المتخلفة والمنبوذة منذ عهد الثورة الفرنسية والامريكية واطلالة عهد المرحلة البرجوازية الصناعية ما هو إلا عبث بسيرورة التاريخ الانساني الحديث لتأخير قطار الزمن السريع لبعض الوقت في بعض المحطات من قبل الامبراطورية الاستعمارية الجديدة، أمريكا المترنحه «تحت ضربات المديونية الترليونية» وأدواتها الاستراتيجيين في الغرب والشرق. وقد قامت أمريكا بتفعيل هذه الثقافات «بدءا في بلدها أمريكا الشمالية؟!» حيث قامت بشبه ابادة جماعية للهنود الحمر وهم السكان الأصليون، كما واضطهدت وفتكت بأنيابها الوحشية فتكا ممنهجا فظيعا بالزنوج، ومع ذلك تزعم لنفسها في «ملعب السرك العالمي» بأنها أم الدمقراطيات في العالم وراعيتها...؟!» وفي العصر الحديث رأينا هذه الامبراطورية الاستعمارية كيف كانت ظهيرا للدكتاتور باتستا في كوبا ثم خذلته وتخلت عنه، وكانت ظهيرا قويا لـ شاينكايشك الدكتاتور الصيني ثم خذلته وتخلت عنه، كما ينسحب هذا الخذلان على بقية عملائها وحلفائها كـ نوري السعيد في العراق وبعده جاءت بـ صدام حسين وأوصلته استخباراتها رئيسا ديماغوجيا فاشيا على شعب العراق، ومن ثم دارت الدوائر عليه. فأسقطته شر سقطه حيث تقاطعت مصلحة الشعب العراقي في اسقاط هذا الدكتاتور الأرعن. كما ينسحب ذلك ايضا على الرئيس المخلوع حسني مبارك. وبن علي في تونس والدكتاتور المجنون القذافي حيث قذفه شعبه الذي قال عنه بأنهم «جرذان!» قذف به إلى مزبلة التاريخ، فخذلته أمريكا وتخلت عنه بل تزعمت «الناتو» في اسقاطه.. كما ودعمت بعض الأدبيات الهدامة في بعض الأقطار في الشرق الأوسط كالتمييز الطائفي والفتنة بين القوميات والمناطق في القطر العراقي وفي بعض الأقطار المجاورة للعراق وفي السودان مثلا: ومن تحت عبائة هذه الأدبيات يتصاعد العنف وتتضاءل الثقة بين الحاكم والمحكوم فتستعر هنا وتهدء هناك ولكن إلى بعد حين، حيث معالجة القضايا بالطرق الأمنية قد ثبت فشلها في كل مكان دون استثناء. والبديل الناجح هو بناء جسور الثقة وانفتاح قنوات التفاهم ونبذ العنف والتنازل للشعوب بتلبية الحقوق. اما انسداد قنوات التفاهم وتغييب العقلانية والحكمة قد يصعد الأمور إلى الأسوء وتتوسع معها انعدام الثقة، مما يصب ذلك في مصلحة طابور الفتنة والمصطادين في الماء العكر، وبالتالي يصب في مصلحة أعداء الأمة وهما أمريكا واسرائيل لكي ننشغل بمحاربة بعضنا البعض بالوسائل المختلفة ونترك وراء ظهورنا التنمية والنهوض بالانسان المواطن إلى المستوى الأفضل انسانيا وحضاريا ومعاشيا وسيادة العدالة بموازينها الحقيقية ومحاربة الفساد. هذه الأمور هي التي يجب أن تأخذ منا كل الاهتمام والمركزية في هواجسنا، عندئذ سنكون شعوبا نهضوية بكل المقاييس بإذن الله. وفي ظل هذا الانطلاق للشعوب من قمقمهالم يبق مكانا في وعي الانسان للترحيب بالدكتاتوريات وبالثقافة الهدامة بل ويدين كل من يروج ويسوق للتفرقة والبغضاء بين الأديان والمذاهب ولمختلف الرؤى السياسية.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف