آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 1:42 م

الاعتراف بالخطأ من فضائل الأمم

حسين منصور الشيخ *

«1»

ابتداءً من العام 1984 بدأ الأمريكيون يحتفون في الخامس عشر من يناير من كل عام بذكرى ولادة المناضل الأمريكي مارتن لوثر كنج، الذي اغتيل سنة 1968 بسبب مواقفه الداعية إلى نيل المواطنين السود كافّة حقوقهم المدنية والوطنية وإلغاء مظاهر التمييز والفصل العنصريين بحقهم. لقد مرّت هذه الذكرى للمرّة الأولى وأنا على الأراضي الأمريكية، ما شكّل فرصة جيدة للتعرّف عن قرب إلى هذه الشخصية الفريدة. فهو بالإضافة إلى نشاطه الحقوقي من أجل كثير من القضايا الإنسانية العادلة، يعدّ مارتن لوثر كنج من أشهر وأبرع الخطباء في الولايات المتحدة، كان من أشهر خطبه خطبته الرائعة والمؤثرة «لدي حلم = I have a dream» التي ألقاها في العام 1963، وهو لا يزال في ربيعه الرابع والثلاثين.

«2»

لكل بلد تاريخه الخاص الذي شكّل حاضره الذي يعشه اليوم. وما تعيشه البلدان الغربية من تقدّم وحضارة ومدنية إنما هو وليد تاريخ طويل من الصراعات والتطوّرات التي ساهمت في تشكيل واقعها المعاصر. ولعل من أبرز التحديات التي واجهها التاريخ الأمريكي هو الحفاظ على الوحدة الفيدرالية بين ولاياته الخمسين، وذلك في النصف الثاني في القرن التاسع عشر الذي كان يشهد نموًّا اقتصاديًّا سريعًا، تمثّل في التقدّم الرزاعي في الجنوب والصناعي في الشمال. وقد شكّل الرقّ في الولايات الجنوبية ـ حينها ـ الأيدي العاملة الأرخص التي لا يمكن الاستغناء عنها، وبخاصّة في ظلّ تنامي الطلب العالمي على القطن الأمريكي الذي كانت الولايات المتحدة تصدّر بما يعادل ثلاثة أرباع الاحتياج العالمي منه مع نهاية العام 1850، وهذا ما كان ليحصل لولا وجود أكثر من أربعة ملايين من الأفارقة الرقيق الذين كانوا يمثّلون الغالبية من الأيدي العاملة في تلكم الحقول. ومع نشوب الحرب الأهلية الأمريكية التي بدأت شرارتها مع إعلان إحدى عشرة من الولايات الأمريكية الجنوبية استقلالها في الأيام الأولى من ولاية الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن، بدأ عهد جديد من تاريخ السود في أمريكا، حيث أعلن الرئيس لينكولن في العام 1863 وثيقة تحرير وإلغاء الرقّ في الولايات المتحدة، وضمّهم إلى جيش اتحاد الولايات الأمريكية؛ وذلك للقضاء على الحرب الأهلية وللحفاظ على الوحدة الفيدرالية. ولكنّ إلغاء الرقّ لم يلغِ ما يعاني منه السود من تمييز وفصل عنصريين ظل لأكثر من 100 عام من إعلان وثيقة تحرير الرق «Emancipation Proclamation». وهو ما دفع بالسود الأمريكيين إلى مزيد من حركات المعارضة والنضال من أجل نيل حقوقهم ومساواتهم مع بقية الشعب الأمريكي، كان من أبرزهم المناضل والداعية مارتن لوثر كينج.

«3»

إننا نشهد هذه الأيام ما يعرف بالربيع العربي، وهو الحراك الجماهيري الواسع الذي استطاع إلى الآن الإطاحة بثلاثة من أنظمة الحكم العربي. كما أنه الحراك المتوقع منه أن يحدث نقلة نوعية في طبيعة الحراك المجتمعي في تلكم البلدان وغيرها، لعل من أبرز مطالبه هو تمتّع المواطن بكافة الحقوق المدنية كما يراها في تلكم البلدان الغربية المتقدّمة. ولعلنا نشهد في هذه البلدان احتفالات شعبية وأخرى رسمية احتفاءً بانتهاء حقبة مظلمة من تاريخها. وهو أمر ما كان ليتحقّق لولا سقوط تلكم الأنظمة عبر هذه الثورات العارمة التي اجتاحت شوارع وساحات بلدان الربيع العربي.

«4»

ولعل الملاحظة الجديرة بالتأمّل في ذكرى الخامس عشر من يناير أن الشعب والحكومة الأمريكيين يحتفون جنبًا إلى جنب بهذه الذكرى التي تحكي جزءًا من التاريخ الأمريكي المظلم دون أن يكون ذلك نتيجة تغيير جذري في طبيعة الحكومات الأمريكية. فالشعب الأمريكي ـ وبخاصّة ذوي البشرة البيضاء منه ـ قد مارس ردحًا من الزمن تلكم العنصرية البغيضة، وذلك ضمن قوانين حكومية رسمية ضدّ مواطنيهم من ذوي البشرة السوداء. وها هو المجتمع الأمريكي نفسه - شعبًا وحكومة - يحيي اليوم هذه الذكرى تخليدًا لذكرى هذا المناضل واعترافًا بتلكم الخطيئة وتعزيزًا لروح الوحدة الوطنية بعيدًا عن جميع أشكال التمييز والفصل العنصريين. وهذا لم يحدث نتيجة ثورة شعبية عارمة أطاحت بنظام وأتت بآخر، وإنما نتيجة تغير اجتماعي وانقلاب في المفاهيم وعاها هذا الشعب، واستجابةً لهذا الوعي واكبت تلكم الحكومات ما يعبر عن الواقع الاجتماعي الجديد. والاحفتاء بهذا اليوم لم يأتِ بعد 100 عام أو أكثر، وإنما بعد أقل من عشرين سنة على حادث اغتياله، إذ لا يزال الحدث في أذهان الكثيرين ممن عاصروا تلكم الحركة.

«5»

كم نحن بحاجة في بلداننا العربية إلى تحقيق تلكم المساحة من الرحابة النفسية التي نعترف فيها بأخطائنا. فنحن وإن مضى الزمان وتعاقبت الأجيال وأصبح التاريخ تراثًا نتداوله جيلاً بعد جيل لا يبدو الاعتراف بالخطأ لدينا سجية وفضيلة نطبع بها سلوك أبنائنا القادمين بعدنا. بل لعلّ التبرير للماضين - وإن كانوا على درجة عالية من الظلم والاستبداد - وذكر محاسنهم «إن كان للبعض منهم من محاسن» هو سجيتنا. إن الاعتراف بالخطأ فضيلة بحق الأمم كما هو فضيلة بحق الفرد. بل لعله في حالته الأممية يعبر عن نبل وسماحة عالية تعيشها الأمة.

كاتب سعودي «القديح»