آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

المهندس جاسم في مشروعه الأخير

بدر شبيب الشبيب *

هل يمكن أن تقرأ شخصا من مشروع واحد؟ ربما يكون الجواب بالنفي لأن القراءة في هذه الحالة ستكون ناقصة، خاصة إذا كنت أمام شخصية بحجم المهندس جاسم؛ شخصية متعددة الأدوار، متوهجة الحضور، ثرية التأثير الاجتماعي.

ومع اعترافي بكل ذلك، فإني سأحاول هنا أن أقرأ بعض ملامح شخصيته العذبة من خلال مشروعه الأخير لما تضمنه هذا المشروع من سمات بارزة من تلك الشخصية، ولذا وقع اختياري عليه من بين مشاريعه الجمة لخدمة دينه ووطنه.

المشروع هو: مسجد العهد، الذي يقع جنوب مستوصف جمعية أم الحمام الخيرية. وهو مسجد قرر أن يبنيه من ماله الخاص قربة لله وخدمة لعباده المؤمنين.

أما الملامح التي يمكن أن نقرأها فيه فهي:

1 - اختيار أن يكون المشروع مسجدا يعكس جانبا من شخصيته الدينية التي عرف بها منذ صغره، والتي بقيت ملازمة له لم تتبدل ولم تتغير، بل ازدادت رسوخا مع كل نعمة كانت تأتيه فيقابلها بالشكر، وتعمقت ثباتا مع كل بلية نزلت به فقابلها بالصبر والاحتساب.

عرفته طالبا، وعرفته موظفا، وعرفته رجل أعمال يتمتع بوجاهة وشبكة علاقات واسعة رسمية وغير رسمية؛ وفي كل هذه الحالات عرفته متدينا متمسكا بمبادئه وقيمه.

2 - تسمية المسجد باسم العهد يؤكد حالة التدين التي ذكرتُها. فالاسم لم يأتِ اعتباطا، بل كان وفاء لنذر قطعه على نفسه أن يبني مسجدا من ماله الخاص إن شفاه الله من مرضه العضال. وعندما وصلته نتائج الفحوصات التي أجراها في الخارج قبل مدة، وأكدت خلوه من المرض، استبشر خيرا، وقرر لفوره البدء بتنفيذ نذره الذي اعتبره عهدا عليه.

ثم استشار رفيقة دربه المرأة المؤمنة الصالحة الصابرة في اسم المسجد، فقررا سويا تسميته بمسجد العهد لأنه يأتي في سياق يشبه العهد، وتيمنا بدعاء العهد الذي تواظب زوجته أم أحمد على قراءته كل صباح.

وفي هذا نقرأ وفاءه بالنذر الذي يكشف جانبا من شخصيته الإيمانية المتجذرة، كما نقرأ طبيعته الشخصية التي تعودت على الالتزام والانضباط والوفاء بما تعد وتتعهد، بل الوفاء في كل حياتها. كما نقرأ حالة الانسجام والمحبة والمودة والرحمة التي كانت تسود علاقته الأسرية، فجمع بذلك بين تميزه في داخل البيت وتميزه خارجه. وأخيرا نقرأ احترامه وتقديره لزوجته خاصة ونظرته للمرأة بشكل عام في تشاوره مع زوجته حتى في تسمية المسجد.

3 - وصيته بأن يكون إمام المسجد شخصية جامعة. هذه الوصية تعكس شخصية المهندس نفسه والذي كان بحق رجلا تجتمع تحت خيمة حبه كل الأطياف والأطراف. كان في قلبه الكبير متسع للجميع، وكان بهذه الوصية يريد أن يكون مسجده ساحة للجميع أيضا. كما أوصى أن ينتفع منه المؤمنون والمؤمنات.

4 - اختياره للموقع المناسب الذي يخدم منطقة تفتقر إلى مسجد، مما يسد بالتالي حاجة حقيقية. وهذا هو دأبه يبحث عن مواطن الحاجة والفراغ ليملأها أو يساهم في ذلك.

5 - رغبته الشديدة في التميز الدائم، فقد كان يريد للمسجد أن يكون تحفة جمالية تستوقف الناظرين. ولذا عندما لم يكن المسجد يقع على الشارع العام مباشرة، فقد قام بجهود كبيرة تكللت أخيرا بتحقيق إطلالة المسجد على الشارع مباشرة.

6 - قوة الإرادة التي تجلت في إصراره على إنهاء المشروع بأسرع ما يمكن، وفي متابعته المستمرة لمراحل البناء حتى وهو في أشد حالات مرضه يتابع علاجه في رحلته الأخيرة إلى أمريكا. لقد كانت إحدى أمانيه أن يسمع الأذان من المسجد فيقصده للصلاة، ولذا كان يصر على إعطاء إكمال المسجد أولوية على إكمال منزله.

إن قوة الإرادة سمة بارزة من سماته يعرفها كل من تعامل معه، وكان أبرز تجلياتها أثناء مرضه، حيث لم يمنعه المرض الخبيث من المضي في إشادة المشاريع الطيبة ودعمها بكل ما يستطيع.

هنيئا لأبي أحمد عطاءه الجميل المبارك، وهنيئا لنا أن عرفناه وعشنا معه.