آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 7:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

كرة نار الفتنة توجهها امريكا

باقر علي الشماسي *

ينبغي للامة أن تشخص عناصر الفتنة حين تمتلك الارادة لمعالجة الفتنة: واظن ان هذه العناصر هي كثقوب مزمنة غائرة في جدار الأمة، لكنها جلية وشفافة ولا تحتاج الى بذل جهد ذهني كبير وعصارة فكر لتشخيصها: وهي القمع والتمييز وتسطيح مناهج التربية والتعليم ولابد من تقويم بعض خطاب المساجد والوعاظ، والضرب بقوة على ايدي التكفيريين، ومحاربة الفقر والبطالة في مقدمة هذه العناصر.. هذا اذا ارادت الأمة معالجة الفتنة ووأدها: وربما ذلك يأخذ بعض الوقت، والمثل الصيني يقول «الف ميل يبدأ بخطوة». ان ما نشهده اليوم من نزيف دموي رهيب وكوارث يومية انطلاقاً من تعصبات دينية منفلتة ومجنونة في العديد من الاقطار العربية، وما نشهده اليوم من الاحداث الدموية في العراق وفي الموصل خصوصاً واعلان «الخلافة الاسلامية» ماهي الا لعبة استخباراتية امريكية اسرائيلية قد سخرت للدمويين كفيفي البصر والبصيرة وهم منفذوها ومن ورائهم الكهنوتيين التكفيريين، ولكنهم سيفشلون لكونهم ادوات ينفذون اول خطوة من مراحل خارطة الشرق الاوسط - القديمة - الجديدة - الامريكية وينطبق على امريكا المثل القائل «يقتل القتيل ويمشي وراء جنازته»: وتذرف عليه دموع التماسيح، للتضليل والخداع، وكأنها بريئة من هذه الشلالات من الدماء في المنطقة العربية..

اعتقد ان هذه اللعبة الامريكية القذرة في الموصل واعلان الخلافة الاسلامية بأن فشلها ليس بالبعيد ذلك نظراً لأنها لا تمتلك ادنى الأدنى من مقومات الدولة او الخلافة، إذ لا يوجد اية دلالات على تلك المقومات، لا عسكرية ولا جغرافية ولا اقتصادية ولا مساحة استراتيجية، ولا مباركة أو تأييداً من الأزهر الشريف وحاشاه ذلك، او من أي مرجعيات معتمدة في المذاهب الاسلامية: لكي تضمن لهذه «الخلافة المزورة» التوسع والديمومة، فمن لديه هذه الدلالات من المقومات عليه ان يتكرم كي ينور بها سكان المنطقة.

«فليس كل ما يلمع ذهبا»: صحيح انها لعبة قذرة وخطرة، وتنعش العقول التكفيرية المتخشبة وتضفي المزيد من شلالات الدم العربي، وتستنزف المزيد من هدر الطاقات والامكانات وخصوصاً العسكرية والاقتصادية وللمزيد من اضعاف وتحجيم وتقزيم الدول العربية، الواحدة بعد الأخرى، وتشعل المزيد من الحرائق والفتن هنا وهناك: وهذا السيناريو الجديد هو بديل عن دخول امريكا واسرائيل الحرب مباشرة: بالتعاون مع تركيا مهربة السلاح والمسلحين الارهابيين إلى لبنان والعراق وهذا هو دورها اليوم و«اقصد تركيا»: وحين تصل الأمة للمستوى المطلوب من الانحطاط في التشرذم والفرقة، عندها تتشكل مرحلة قيام دولة اسرائيل الكبرى - من الفرات الى النيل!! ولكن في المقابل صحيح ايضاً من الناحية الإيجابية ان الاعلان عن هذه «الخلافة الاسلامية؟!» الحمقاء بأنها سلعة قد انتهى تاريخ صلاحيتها منذ 1923 م حيث أطاح كمال اتاتورك بالإمبراطورية العثمانية وقبرها بدون رجعة، هذا اولاً وثانياً ستشحذ المزيد من همم الرجال الوطنيين والاصلاحيين والمفكرين والشباب المقاومين لمثل هذه العقول الهدامة من كل حدب وصوب.

ناهيك بأنهم - أي كهنوت الفتنة - قد استفزوا بكل وقاحة رجال الدين الغيارى الشجعان من كل الأطياف والملل، لذا لا يمكنهم السكوت عن هذه «المسرحية المهزلة» وهي الافتراء على الدين الحنيف بإعلانهم بأنهم يمثلون دولة الخلافة الاسلامية!! هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى تحد صارخ للعالم المتحضر عامة ولعلماء الدين في العالم العربي حصرياً من مختلف المذاهب، أذ قام اولئك الكهنوتيون التكفيريون بجريمة جديدة وهي قتل اثني عشر عالماً جليلاً في الموصل في الامس القريب وبدم بارد لكونهم رفضوا مبايعة زعيمهم «خليفة المسلمين»!! - عصابة الباطل: الى جانب ذلك ان بعض الدول الكبرى وغيرها التي يتعارض امنها ومصالحها مع هجمة هؤلاء الوحوش، آنية واستراتيجية، ك روسيا والصين والهند وايران ومصر والجزائر وغيرها ستقف جميعها مع العراق بأكثر قوة من أي وقت مضى، كما سيدرك العدد الأكبر من الشباب العربي المخدوعين بهؤلاء اللاهوتيين وشعاراتهم: سوف يدركون بأن هذه الشعارات الدينية بانهم «يمثلون الخلافة الاسلامية» انما هي زوراً وبهتاناً على الشريعة الاسلامية السمحاء، لا سيما وان هناك شبه اجماع من لدن علماء الدين الاجلاء والصالحين والمصلحين وكل من لديه حس وطني شريف قد يهبوا قريباً لنصرة العراق لمنع تقسيمه وتمزيقه بطرقهم المختلفة وسيكشفون للعالم بأن هؤلاء لا يمثلون الا شياطينهم الاستخبارات الأمريكية والاسرائيلية فقط.

وقبل ختام هذا الموضوع المتواضع نود ان نعرج على بعض الامثلة التاريخية التي تحمل دلالات على هزائم كل من حارب شعبه ووطنه وسيادة بلاده نيابة عن المستعمر الاجنبي قديماً وحديثاً مثلاً محمد علي باشا مؤسس السلالة الخديوية بمصر، حين تولى حكم مصر 1805 م كوالي للدولة العثمانية التركية على مصر حتى 1849م فحارب بريطانيا وطردها من مصر، فقام المماليك بمحاربة حكم محمد علي نيابة عن بريطانيا «العظمى» حينذاك حاصرهم في واقعة القلعة المشهورة وسحقهم، وذلك في عام 1811م بينما كان هذا الرجل قد شهد له التاريخ بأنه لم يأت لحكم مصر كي يعبث ويتلذذ ويلهو ويتمتع بثروة شعبه، او ليكون جلاداً متغطرساً وجباراً على شعبه كما فعلها صدام مثلاً، بل كان هناك حزبا معارضاً، وله صحافة وإدارة وتحت زعامة رئيساً للحزب لا يحضرني أسمه الآن: الى جانب ذلك كان يمتلك حساً وطنياً عالياً حيث كان لديه مشروعاً تنموياً ونهضوياً لمصر وفعلاً فقد بدأ بتنفيذ مشروعه بطرد المستعمر الاجنبي من بلاده ومن ثم بنى صناعة عسكرية ومدنية، وشكل اسطولاً عسكرياً بحرياً ضخماً بسواعد ومهارات مصرية، كما وجعل من ارض مصر مخضوضرة زراعياً إلى حد الاكتفاء الذاتي، وارتقى بالتربية والتعليم إلى مستوى عال وإلى درجة ان اليابانيين قد بعثوا بطلابهم كي يدرسوا بجامعات مصر..

وبعض الدلالات الاخرى على هزائم ممن حاربوا امتهم نيابة عن الاجنبي امثال شاينكايشك الذي نصبه الامريكان رئيساً لجزيرة فرموزا على اعتبار انه يمثل الصين كلها، الحالية كانت تسمى ب «البر الصيني» وكذلك دلالات اخرى وهي هجمة الخنازير على كوبا بدعم لوجستي من امريكا للإطاحة بحكم كاسترو، فباءت تلكم الخنازير وامريكا بالفشل، وكذلك في حرب الجزائر وفي حرب الفيتنام.. الخ.. الخ..

لذلك نقول للدواعش وامثالهم وحلفائهم التكفيريين، هل قرؤا صيرورة التاريخ وتضاريسه! أم الهاهم امتهان التكفير والقتل وذبح البشر أطفالاً ونساءً وشيوخاً وعلماء تحت عباءة الاسلام؟! بينما هم يمزقون الامة العربية خدمة وتمهيداً لتكوين دولة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل: وإلا لماذا لم يطلقوا ولا طلقة نار واحدة على اسرائيل منذ ولادة هؤلاء الدواعش التكفيريين قبل عقود من الزمن؟، والسبب جلي كالشمس لا يحتاج الى نقاش.. اما ماعرفناه عن الجامعة العربية منذ نشأتها 1945م ودورها المطلوب هي عكازة احياناً وفي غالب الآحيان تغرد هذا «النشيد الوطني» وتكرره في المناسبات وغير المناسبات: وهو «ياجبل مايهزك ريح واللي مش عاجبه يشرب البحر» على فكره ان البحر اليوم غير مالح لأنهم حلوه، حيث الدواعش قد نقلوا النهرين الفراتين الى البحر الاحمر والبحر الابيض، سبحان الله «لقد اصبح خليفة الدواعش يصنع الارهاب والمعجزات» والجامعة العربية تصنع الاناشيد والتنديد والقرارات المميزة؟..

وليسمح لي القارئ الكريم على هذا الإطالة في هذه «الفضفضة».

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 10 / 7 / 2014م - 1:48 م
كون الجماعات المتوحشة أتت من خطاب المساجد وتبسيط في المناهج .. هذا شيء تأثيره بسيط مقابل قنوات العنف وحفلات اللهو التي يرتادها الآلاف وحتى مواسم التفحيط المنتشرة هذا ما ولد الوحشية .. بعد الهرج والمرج يريد أن يتوب فيلتحق بهذه التنظيمات المشبوهة التكوين كل من يتابع على الأقل قنوات العنف يجد نفس أساليب هذه التكوينات المريبة ..!!
كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف