آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

قبلة حب حقيقي

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

إن تفكيك لوحة مبنية على أسطورة قديمة ومتواترة، تناقلتها أجيال عبر سمفونية كان يا ماكان….، ليس بالمهمة اليسيرة أبداً، التفكيك وإعادة البناء والتركيب مُجدداً في قالب مُستحدث ومُخالف لما اعتادتهُ الأذن المستمعة للحكاية الأصلية، هو سحرٌ وتميز في اختلاق حبكة منحى الحكاية الأم في تصور آخر ومقلوب بصورته عمَّا هو مُعتاد، وهذا ما أبدع في خلقه المخرج «روبرت سترومبرغ» والمُبدعة الممثلة أنجلينا جولي في فيلمها «Maleficent» الذي قلبت فيه موازين الصورة النمطية لأسطورة الأميرة النائمة وقُبلة الحياة التي تبثُ فيها الحياة مُجدداً، لكنها في هذه المرَّة لم تكن قُبلة ذلك الأمير المُغرم الذي يَهب أميرته قُبلة تُبثُ فيها الحياة بعد أن كانت في غيبوبة غامضة، بل أُدهش الجمهور بغير ما تعودوه سلفاً لتُصبح تلك القبلة، التي كان مصدرها شفاه «مالفسينت» التي جسدت شخصيتها «أنجلينا جولي» بدور الجنية الشريرة، لِتُجبر عاطفة المشاهدين أن تتماهى مع هذه الشخصية رغم أنها في مسار الشر والتدمير والانتقام وليس الخير، ومن قبلتها النابعة من حب حقيقي نشأ عبر ال 16 عاما التي رافقت فيها الطفلة الأميرة، لتتفتح تلك الزهرة - الأميرة - الغافية فتشع بالحياة لتُعانق حضن الشر المغلف بالحب الحقيقي والخير المشع، ليبدو لنا أن ذلك الشر ليس إلا تحولاً طارئاً وعرضياً نتيجة صدمة قاصمة بعد أن خذلها الحب الركيك، الذي كانت قد سلمتهُ مفاتيح قلبها.

فهل الحب الحقيقي قد يبدو في مسار الشر دون أن نلتفت لأصل ذلك الشر الذي اخترقه غوراً، ويظل حباً مُتدفقاً في مشاعره وآثاره؟

ففي كثير من الأحيان ننتقي أبجدياتنا لنبني حباً دون أن نلتفت لما يتعارض معهُ ويكسيه ببعض الفراء الذئبي، هذا واقع ضمن دائرة حياتنا، ولا يُفنَّد أبداً، لكنهُ بالطبع ليس تزييناً وقبولاً للشر، ولا إرساءً لقفشاته ضمن منهجياتنا في دائرة علاقاتنا الإنسانية كمسارٍ لتبريرات وحجج لتضييق دائرة المسؤولية الأخلاقية السلوكية حيال حياتنا. قد نجد شخصيات تمر في حياتنا تتلون باللمحة الشرسة القاسية في مساحة ما ومع طرف ما، لكنها تبثُ فينا الخير والحب المتوهج الحقيقي من جانب آخر، وكمثال.. نجد رغم قسوة الآباء وشدتهم في بعض مواقفهم وإن كانت ليست في دائرة تعاملاتنا معهم، إلا أننا في موضع آخر نغرق في جماليات مشاعرهم الأبوية الحانية، فالقسوة والشر الناتج من أجواء متشنجة نجدهُ في بعض المراحل يضمحل ويقزم تحت عتاد الحب الحقيقي الذي نلتمسهُ من أشخاص قريبين منَّا.

وإسقاطاً لما سبق في دائرة حكم الشعوب والدول، نجد تمجيد الرموز الماسكة بزمام سياسة الدولة، وتدعيمها شعبياً في صروح ومناسبات دولية تُمثل فيه وطن ذلك المواطن، رغم أن ذات هذه الرموز قد تُغيظُ وتستثير ذلك الفرد فيما يتضمن بعض المواقف السياسية على مستوى سياساتها الخارجية بالدول والشعوب الأخرى، التي هي في موضع ضعف إنساني، حتى تكاد تكون جلاداً للإنسانية في خارج حدود أرضها.

وفي مشهد آخر ربما تجد نماذج تُلقِّم الإنسانية حجر نار، لتُزهق أرواحا وتُشتت جموعا وتحرق معابد وتحز رؤوسا وتفجر أجسادا بكل ما أوتيت من نوازع الشرور، لكنها وعلى الضفَّة الأخرى وعند بعضٍ تُمجَّد وتُنقش أسماؤها في صورة الأبطال والمجاهدين ومُنقذي الإنسانية، لتقلدهم مهنة إنسانية كالطب أوالتمريض لتذوب الإنسانية في صهريج الزركشة الإعلامية وقلب الصور.

أما قُبلة الحب الحقيقية عندما تتحول لقُنبلة حب بارد، فإنها تُدمي وتُثكل وتُخوِّن كما هو الحال في قُبلة الشعوب العربية الباردة المتجمدة على شفاة أطفال غزَّة، وترتاد العروبة المعصبة العينين متاهات الصراعات المتبجحة على كوكب الثرثرة، وتزهو تلك البقعة بأشلاء ودماء تخط قبلة العروبة الحقيقية التي تحتاج لقبلة أخرى توقظها..

غزَّة زَهْو العروبة الغافية/ المخدرة/ الهاربة/ إلى رُقاد الكهوف/ ومهبط ثرثرات الشاردين/ في سيلٍ من الصَّقْل التليد/ ومع كل انبثاقٍ للمعان يوم أشهب ترنو لنافذة الحسرة/ مُثقلة بضباب الغدر/ فيتنهد جدار الفجر ويُعانق أجنحة الليل/ لتُغادرها شقوق العروبة الصدئة/ أو يرمقها الشجر/ والزهر بندى العزَّة/ فتنسج من الأشلاء/ والدمعات والحجر/ والبحر المُشرَّب بالحمرة/ غزَّة من جديد.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.