آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 6:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

المسرح كُرَة في ملعبِ الجميع

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

المسرح أداة حيوية تُساهم في استنهاض ثقافة المجتمع من خلال تحريك الركود الفكري عبر إلهامه مصادر حيَّة مُجسَّدة متنوعة، وفتح أُفق شاسعة لإعمال العقل نحو القضايا المتنوعة، لتُلهب ساحة العطاء والتطور المتدرج على سلم نهضة الشعوب، ولم يُخطئ شكسبير في مقولته المشهورة «الدنيا ركح كبير، وإنَّ كل الرجال والنساء ما هم إلا لاعبون على هذا الركح».

ومن هذه الإضاءة لنزاوج بين قضيتين متعلقتين بهذا الجانب، الأولى هي أن الحركة المسرحية بما تتضمن من أعمال تطرح رؤى وقضايا لجمهور المسرح هي تجسيد لواقع مجتمع وإن اختلفت نسبة تمثيل ما يُطرح لشريحة ما أكثر من غيرها، لكن ما هو مُتفق عليه أنها صورة مقتطعة من إحدى زوايا هذا المجتمع وتُعرض على خشبته بشخوص تفاعلية لتبث رسالة إنسانية اجتماعية سياسية ثقافية وربما تتخطى حدود المحلية لتصل للمحيط العالمي، ورغم ذلك إلا أن هذا الفن في المملكة العربية السعودية يفتقد أبسط ما يُمكن أن يحتاجه من دعم حقيقي وغير شكلي من قِبَل جهات داعمة مادياً وتنشيطياً، سواء كانت جهات رسمية أو متخصصة مهتمة، كوزارة الثقافة والإعلام وجمعية المسرحيين، ونلحظ قحط نشاطات الأندية الأدبية ومحدودية العناية بتنشيط هذا الفن بالمستوى المرضي وبالمستوى المتأمل الذي يُشفي تطلعات المهتمين وجمهور المسرح الذي بدأت تتسع مساحته العددية عاماً بعد عام، فهو أقل الفنون من ناحية حظوه بالاهتمام والبذل، ومن التقلقل في قاعدة أي مجتمع من الجانب الثقافي والوعي، هو افتقارنا لأكاديمية للفنون والمسرح تُعنى بتخريج متخصصين مُعتمدين في مجالات تتعلق بهذا الفن، ويُعتب على وزارة التربية والتعليم حين بدأت بخطوات تطوير المناهج التعليمية، بأنها لم تلتفت لهذا الجانب، وذلك بإدراجه كفن قابل للتعلم من خلال مناهج مبسطة، بالإضافة لدور وزارة التربية والتعليم العالي في إدراجه كتخصص مُعترف به في الدراسة الجامعية، فالمسرح المدرسي والمسرح الجامعي له من الحضور المتباين في قطاعات التعليم لكنهُ يجول في حلبة الاجتهاد والابتكار من قبل القائمين عليه، فهذا الاجتهاد قابل للإصابة بالتميز والإبداع أو الخطأ بالركاكة والضعف في أحيان أخرى.

وفي بوادر وضاءة نستشف من ملامحها نهضة فكر وإبداع طاقات وقدرات.. نجد نجاحاً لمسرح يحبو لنجاحات أكثر ألقاً وتقدماً، فكثرت العروض المسرحية التي تحمل هموم المجتمع، وتعرض قضاياه وتطلعاته بحرفية عالية قياساً لعدم توفر دور العرض المسرحي المجهز والدعم المطلوب، وبذل طاقات طاقم العمل من منتج ومخرج وكوادر مُساعدة وحتى الممثلين في أن يجتازوا كل العقبات التي تُحبط العمل لولا كدحهم لتوفير ما يُمكن توفيره من تقنيات وجودة فنية وتكنولوجية في حال القصور، ليَظهر لنا العمل في أقصى مستواه في الجودة، ويزداد أو يظهر النشاط أكثر في مواسم الأعياد والمهرجانات السياحية والمناسباتية، مما يُصبغها بصبغة موسمية حولية في الغالب، لكنها تروي عطش ذلك الجمهور الذي نجده يحرص على حضور تلك الأعمال ويتناولها بالنقد والتقييم لما يملك من وعي وثقافة، وهذا ما أدى إلى استمرارية تلك المحاولات من الأعمال المسرحية وتطويرها ومحاولة التقدم للأفضل والأكثر تميزًا، وما صرح به الأستاذ محمد الغانم رئيس وحدة المسرح في مهرجان القطيف بأن مسرح «واحتنا فرحانة 5» لهذا العام سيحتضن ثلاث مسرحيات كوميدية اجتماعية تحمل من رسائل الوعي الاجتماعي للمتلقي، وإحدى المسرحيات هي مسرحية «الحلوة زعلانة» بمشاركة نخبة من الفنانين المحليين ومن الكويت الشقيقة، كالفنان المخضرم محمد جابر الذي عرفه الجمهور ب «العيدروسي» وكذلك أحمد إيراج والفنان خالد البريكي والفنان السعودي ناصر عبد الواحد، وما يُثلج صدر المهتم أنه تم التعاقد مع جهات كبرى متخصصة بتزويد المسرح بمعدات هي الأحدث في عالم الصوتيات والتجهيزات بمعايير عالمية يتطلبها المسرح ليظهر العرض في أفضل ما يُمْكِنُ، وهذا ما يمكننا تصنيفه بخلع عباءة الاتكالية وإلقاء اللائمة في أي قصور وصعوبات على جهات رسمية غير فاعلة بالصورة المطلوبة، غير أنَّ ذلك لا يعني أن تتخلى الجهات المعنية عن السعي للنهوض بهذا الفن المتذبذب الذي يحتاج دفعة قوية لننهض به كبقية الدول المتمكنة في هذا الفن الثري، ولا نغفل عن الإشارة لدور الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في بث ثقافة فن المسرح وأبعاده اتجاه حياة المجتمع وأن يُساهم في ربطه بثقافة الشارع التي بدأت تُدرك تماماً ما تحتاج من غذاء من هذا المحيط الغني بزاد الوعي ونهضة الفكر.

أما القضية الثانية ويبدو أنها محاطة بجدلية تصل للتجريم والتحريم، ألا وهي الحضور الفعلي للمرأة تكميلاً لدور أخيها الرجل، إذ لا قضية تُطرح للمُعالجة تخلو من عنصرالمرأة وهذا أمر مُسلم به وواقع فرضهُ الوضع الحقيقي المعاش، لكننا مازلنا نُصارع أمواجاً عاتية تجسدت في آراء وتصريحات وقوانين لا تتناسب مع واقعيتنا، جميعها أجمعت على رفض المرأة كعنصر مُشارك في هذا الفن، بل يتنامى هذا الرفض لصراع وحرب لمجرد التفكير في إقحامها ساحة العمل، ودونية النظرة لمن يتخطى هذا الخط الملتهب.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.