آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الاستغراب عن الذات

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

ينشأ المرء حياته محاطاً بما له أثر في تكوين شخصيته وتوجهه في الحياة بشكل عام، فالبيئة الأسرية والسياج الاجتماعي الواسع بما يحمل من أدوات ترسم مُكَوِّنْ الفرد بصور شتى لتُظهره بعد ذلك بملامح مُلاصقة له عبر مسيرته المتدرجة، ومع اختلاف وتباين كل تلك المؤثرات نجد تلون الشخصيات، فتُغرفها تقاسيم وتشكيلات مختلفة تميزها عن الآخرين إثر تلك العوامل، البعض تجدهُ مُختلفاً بصورة تثير حفيظة المحيطين، والسبب أنه رسم خط حياته التفاعلية بطريقة تُرضيه ذاتياً وإن أحدثت تصادماً مع ذلك السياج المتسع والممتد في محيطه، فلا تحكمهُ وتُقيدهُ قيود قد تكون أعرافاً اجتماعية شائكة للنفس وتُسبب بعض العطلة عن مسيرة الحياة، ففي نظره لا مكان لتلك الاعتبارات، إلا لما يُخالف الدين والمنطق الاجتماعي، ونجد الفئة الأخرى عكس النموذج السابق تماماً، فهي تقتل في أعماقها كل مشاعر الجمال والقبول الذاتي لمجرد ظهور ذلك الظل الطويل ألا وهو القيود الاجتماعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي لم يضعها الدين ولا تخدش القلعة الاجتماعية بصورة غائرة.

لسنا هنا في دعوة لكسر الأعراف التي تحمل من القيم لرفعة الفرد وإعطائه جماليات الأخلاق والتأدب الاجتماعي أبداً، ما أعنيه هو رفض تحطيم الذات باسم تلك القيود التي هي وليدة تلاحق أجيال تمسكوا بها دون منطق بثباتها ونشوئها، مُتجاهلين نظرة وتقييم الدين لها، بل وقدموها على الدين نفسه، كتجريم قيادة المرأة وتعطيل شؤون المرأة وربطها بالمحرم - الرجل - وإن كان يصغرها بعشرات السنين وكذلك الخجل ورفض الانخراط في العمل بمهن متواضعة جداً ولا تحمل «برستيجاً» اجتماعياً كالمهن المرتبطة بالتنظيف والخدمة المنزلية، أو ممارسة بعض الهوايات التي يتعلق بها لمجرد الرهبة من تلك المساحة المحيطة به وخوفه من نظرتها له وتقييم شخصيته ضمن ذلك الاعتبار، وأمثلة كثيرة قد تخطر في ذهنك أيها القارئ العزيز التي يُمكنك إضافتها في هذه الجزئية عبر تخيلك الذهني، وبذلك المنحى نحو تلك الممارسات وهدم الذات الحقيقية، فإنه يتنازل عن القرب من ذاته والعيش بعيداً عنها وعن حقيقتها الجليَّة، فمتى ما عاش هذا الفرد في حياة حقيقية مع ذاته حياة صادقة صافية شفافة الأبعاد فستكون باعثة لشعوره بالرضا الداخلي وبالسعادة، وفي حين اتسعت رقعة الذوبان الشخصي الذاتي وبعدتهُ المسافة عن ذاته ليعيش تفاصيل أيامه بعيداً غريباً عنها، إذن هو قد ولجَ مساحة وحدود الحياة العكِرة غير الحقيقية التي يُطلق عليها العلماء الحياة المجازية وهمية الأبعاد، لأنها قائمة على ركائز وهمية لا حقيقية، في حين يقول الفيلسوف الألماني هيجل مُعبراً عن الاستغراب عن الذات: إن كل إنسان يعيش حالة الإطاعة والتعبد للآخر هو منسلخ عن ذاته وغريب عنها، ولا فرق أن يكون هذا التعبد لشخص من الأشخاص أو ثقافة من الثقافات.

إذن هو يحيى حياة مجازية غير أصلية، ومن أجل أن يعيش الإنسان تفاصيله وممارساته وقناعاته في ظل حياة أصيلة يجب أن يبتعد عن كل مجاديف التبعية للواقع الاجتماعي وإيحاءاته، ويعيش حالة من التجرد التام العقلاني مما تفرضهُ عليه بعض - وليس كل - التقاليد والثقافات الاجتماعية بموروثاتها ويعود إلى ذاته الحقيقية الأصيلة قبل أن تخنقها وتكبلها الأوهام الاجتماعية التي لا تمت للمنطقية الواقعية بصلة، وهنا يتأتى دور الوعي والمنطق في تقييم تلك السلطة الاجتماعية وإزاحة ما يُمكن لتضييق رقعة الانكماش والتقوقع في دائرة الآخر، والآخر هنا لا يُقتصر وجوده في الأسرة والمحيط الاجتماعي فقط، بل يمتد حتى للسلطة السياسية التي لها دور كبير وواضح في مسارات الأفراد في المجتمعات عامة، ومع انفتاح المجتمعات على ثقافات الشعوب وأدوارهم ذات الأثر على مستوى الشعوب، وبالتالي بدأت في أخذ تلك البصمات كنموذج يُستوحى منه ما يتناسب معه، وبصورة تدريجية تم التخلص من بعض المعوقات وبدأ البعض بنجاح العودة رويداً رويداً لذاته الحقيقية دون أن تُكبله تلك المُكَبِلات التي تُغرِقه في يم الظلمة والانفصال عن الذات والعودة من تلك الغربة القاتلة لكل ما يُحيطنا من حياة خضراء، فللخلوص للذات الحقيقية والانسلاخ من أي ضغوط على الشخصية، ولتُثقلُ خطواتها لمساحات مُشرقة هو مفتاح أوحد، يجب أن تصرخ تلك الذات في فضاءاتها بكلمة «لا»، بقناعة وإرادة مُتَّقِدة، وبهذا المفتاح ستُفتح كل المغالق المحيطة بتلك الذات المندفعة نحو العودة لمدارجها الفطرية وليس لمدارجها المُتشَكِّلة على يد الأدوات التي تُمحيها لتُعاود تشكيلها مجدداً بصورة أكثر أخرى.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.