آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 10:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تفاصيل صغيرة

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

حياتنا مليئة بالمنعطفات التي تُبَدِّل كثيراً من مساراتنا على المستوى التأملي والقناعات، وبالتالي اتخاذ مسلك ما، مُغاير لما سبقه، فنبدأ حياة بلمسات ولمحات أخرى، ربما تحمل من سمات الفترة الماضية بعض الشيء أو أنها تنخلع منها بشكل كلِّي، فتتغير بوصلة العواطف والتفكير والعمل لوجهة مختلفة.

قد يحدث التغيير بشكل آني وفوري، وفي أوقات وظروف أخرى يحدث على المدى البعيد، وفي كليهما هناك تبدل حاصل، ربما يجهل البعض بداية الانطلاقة لهذا التغيير، فيطرحون تساؤلاتهم: ماذا حدث لك؟ ما الذي غيّرك؟ لمْ تكن هكذا! أنت لست فلان الذي أعرفه! وغيرها من الاستفهامات.

لنستعرض موقفاً كنموذج ينطبق عليه ما سبق من مدخل هذا المقال:

أحد أفراد العائلة يُناقش بصوت مرتفع وفي حالة من العصبية لأمر ما في داخله، قد تجهلهُ أيها الأب.. أيتها الأم.. أيها الإخوة، هناك موقفان يمكننا أن ننتهجهما كردة فعل لهذا المشهد، وسيكون لهما أثر على هذا الإنسان ومساره العاطفي والسلوكي فيما بعد.

الأول.. لو تم النقاش معه في هذا الوضع لتحولت المسألة لعراك مُحتدم وربَّما مُخاصمة تطول أو تقصر، فجميعنا يكره أن يُخاطبهُ أيًّا كان بصوتٍ مرتفع، فهذا سيؤدي لردة فعل مُنفلتة من حلقة ضبط النفس نحو ساحة متسعة في غوغائيتها، فسترتفع الأصوات تبادلاً مع صرخات هذا الفرد المتعكر مزاجياً، الذي هو في حالة من العصبية، التي ستؤدي بطبيعة الحال لأثر سلبي في العلاقة خاصة لو تحول الموقف إلى عنف لفظي أو جسدي مُتبادل.

فلو تطاول أحد الأطراف عليه بكلمة جارحة أو ردة فعل جسدية عنيفة فلن تُمحى من ذاكرته وستُرافقه أثراً حتى زمن مُتقدم، هذا عدا عن جانب انهيار الشخصية أمام الآخرين الذي قد يؤدي لحالة انسحابية دائمة من هذه المجموعة التي شهدت الحادثة، وبذلك نُسهم في اتساع رقعة التباعد والانفصال لمجرد إقفال نافذة هذا الجرح الغائر الذي لا يشعر به سوى من غرق في هذا الموقف.

أما الموقف الثاني أو ردة الفعل الثانية التي يمكننا أن نتخذها عوضاً عن الموقف الأول.. فهو عناق دافئ وتربيت باليد على الكتف أو الظهر أو ضم اليدين، هنا تُطفأ ثورة الغضب ويتبرمج ضغط الدم الذي هو غالباً في حال ارتفاع، وتنتظم ضربات القلب ويُبعث بالاسترخاء في أرجاء الجسم؛ حيث أثبتت بعض الدراسات النفسية أن وضعية العناق أثناء التوتر والانزعاج تساعد في شعور الفرد بالأمان والاطمئنان؛ حيثُ إن المخ يقوم بإفراز هرمون أوكسيتوسين الذي يسبب ذلك، فمن هنا تنطفئ تلك العصبية والهيجان وتتمهد الأرضية لجلسة حوار هادئة يُفهم من خلالها لُب الحكاية، وسبب هذا الهيجان العاتي، للوصول لحل يرضي المعنيين بالموقف.

وكثيرة هي التفاصيل الدقيقة والصغيرة التي تعبرنا وتُؤثر في منعطفات حياتنا، إما بإيجابية أو بسلبية مؤذية للنفس وللآخرين، فتعاملاتنا مع من هم حولنا تحتاج لفوكسة وشيء من التمعن قبل اتخاذ أي إجراء أو البدء بخطوة في اتجاه ما، فما نتفوه به يحتاج لميزان المنطق والعاطفة في آن واحد، فالعاطفة هي أساس العلاقات الإنسانية، خاصة في محيط الأسرة والصداقة والزمالة، فجفاف اللسان وتحجر القلب يدفع بتلك العلاقات لهاوية الانزلاق نحو ظلمة وهوَّة البُعد النفسي إن لم يكن جسدياً ومكانياً، فحواسنا الخمس تتذوق الصدق والقرب دون أن تحتاج لإضافة أيّ منكهات ومُطيبات، فرفقاً بمن هم في دائرة حياتنا، لنُغرق حقولنا بانتعاشة حب وبذل وعطاء.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.