آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

تفنيد دعاوى البايوديسك من أجل مجتمعٍ واعٍ «2 - 2»

برير السيهاتي *

تفنيد دعاوى البايوديسك من أجل مجتمعٍ واعٍ «2 - 2»

بسم الله الرحمن الرحيم..

تحدثنا في مقالتنا السابقة، تفنيد دعاوى البايوديسك من أجل مجتمع واعٍ «1 - 2»، عن مبدأ عمل البايوديسك، ومن ثم عن مقابلة مرسال ابراهيم مع قناة الشارقة الفضائية، وأخيراً كانت لنا وقفة مع الألقاب المدعاة للدكتور مرسال، وفي هذه المرة نكمل ما بدأناه من حديث عودة للبايوديسك.

البايوديسك بلا تجارب محكمة

أقول أنه يكفي في البايوديسك عدم وجود مبدأ علمي لفوائده المزعومة، وأن المبادئ المذكورة حوله لا تستند سوى على مفاهيم خاطئة وأكاذيب يروّج لها أصحاب العلوم الزائفة والدجالون باسم العلم، وأن التجربة العلمية هي مرحلة متقدمة تحصل بعد تثبيت المبدأ العلمي، فإن انتفى الأول لم يعد هناك حاجة للتجربة من أجل التفنيد، ولكن رغم ذلك نجدنا مضطرين للوقوف على هذه الدعاوى وشرح التجربة العلمية.

يدعي مروجوا البايوديسك أن طعم الماء، العصير، والسوائل عموماً يتغير حينما يجري فوق قرص البايوديسك، كما يدعون بأن الشخص يشعر بالتحسن بشكل عام حينما يشرب ماءً جرى فوق هذا القرص، وهناك من استشهد بواقعة لطفل مصاب بسرطان الدم كان يشرب هذا الماء بعد كل جلسة علاج وقد تعافى من المرض.

طبعاً هنا لستُ بصدد تكذيب هذه النقولات بقدر ما أنا بصدد تفنيد النتائج المتوهمة منها، التجربة من الضروري أن تتبع الأسلوب العلمي المحكم الصحيح، حتى لا تكون النتائج مجرد تخرصات، فمن أين عرفنا أن هذا الطفل المصاب قد أحدث البايوديسك لديه أثر الشفاء بالذات، لم لا يكون الأثر من العلاج الكيميائي الذي كان يتعاطاه، أضف إلى ذلك الأثر النفسي والتشجيع ودرجة المرض، كل تلك عوامل تجعل من الصعوبة استنتاج وجود أثر للبايوديسك بالتحديد، بعكس الأدوية والعلاجات المصرحة التي تخضع لتجارب محكمة يتم التأكد فيها بوجود أثر حيوي حقيقي للعقار إلى جانب الآثار النفسية والظروف الأخرى التي تؤدي للشفاء، هذا الأثر الحيوي يمكن استنتاجه من خلال مقارنة مجموعات تخضع لظروف متشابهة وفئات عمرية وعرقية معروفة ومحددة، بحيث أنه حين تقارن النتائج تكون تلك العوامل الأخرى محسوبة ضمن المقارنة، مثل هذا الكلام عن الأثر الوهمي للتشافي بالماء المعالج بمنتجات البايوديسك وغيرها يقره ستيفن لور حينما تصدى لمزاعم ماسارو إيموتو [1] .

البايوديسك والحاجة للدليل العلمي قبل الاستعمال

يطرح بعض إخوتنا إشكالين هامين، الأول هو ألا مضرة من استخدام البايوديسك، فهو إن لم ينفع لن يضر، ومن هذا المنطلق فلا ضير في استخدامه، وأما الثاني فهو أن الدليل العلمي غير قائم على التشافي بآيات القرآن أو التوسل والدعاء، فلم الإصرار على الدليل العلمي بخصوص البايوديسك؟

أقول إنه من الخطأ القول بأن ما لا يضر لا مشكلة في استخدامه، وهناك أسباب:

1 - تكلفة العلاج، فالبايوديسك ليس مجانياً وليس زهيد الثمن حتى يقال أنه لا يضر إن لم ينفع.

2 - قد يتسبب وهم وجود فائدة في البايوديسك إلى تأخير العلاج الناجع، وبالتالي فهناك خطورة محتملة للترويج لأي علاج وهمي غير ثابت علمياً.

3 - الانتكاسة والخيبة الحاصلة حينما تُوهِم شخصاً بأمل ويتضح له أنه سراب، خصوصاً مع حاجة هذا الشخص للتعلق بأي أمل والخروج من المشاكل الصحية أو النفسية التي يعانيها.

وأما بخصوص قراءة القرآن والدعاء والتوسل فإننا نقر أيضاً بأنه لم تثبت علمياً فوائد لهذه السلوكيات بالوسائل والاختبارات الحيوية العلمية المحكمة، ولكن الفارق أنه لم يدعِ أحد بأن هناك مبدأ علمي مادي لأثر هذه الأمور، بل كلها ملجأة للغيب الذي لا يتداخل مع عالم المادة، بينما في البايوديسك فأنت لديك دعاوى مادية وآثار قائمة على مبادئ وعلوم مادية زائفة، وأما الفارق الثاني فهو أن التوسل والدعاء وقراءة القرآن من الطاعات والعبادات التي نحن مأمورون بإتيانها لقضاء الحوائج ومن ضمنها شفاء المرضى، يعني هناك أمر إلهي خصص لأجله الثواب، وتكليفنا في ذلك الاستجابة لهذا الأمر، والتوفيق في النهاية بإذن الله تعالى، ولنقل أن الأهم في الأمر أن شرائط استجابة الدعاء والتوسل تتضمن الأخذ بالأسباب المادية كما تتوقف على معطيات غيبية ومعنوية كاليقين وكذا المصلحة المترتبة على الاستجابة وعدمها، وذلك الأمر يجعل من هذه الوسيلة غير قابلة للتجربة العلمية، ولنا موضوع كتبناه للتفصيل في هذه الإشكالية لمن أراد الاستزادة [2] .

مخترع البايوديسك، جهل ودجل

أما وقد وضحنا افتقاد البايوديسك للمبادئ العلمية، وترويجه عبر نظريات العلم الزائف والدجل، إضافة لافتقاده التجربة المحكمة، فإننا من باب التأكيد على ما قلنا نتوجه لمخترع البايوديسك، هذا الشخص بطبيعة الحال لم يتوقف عند اختراع هذا المنتج، بل اخترع منتجاً آخر قائم على نفس النظريات الزائفة، وهو القلادة الحامية، وهي تحمي كما يدعي من أضرار الاستخدام المستمر للهواتف النقالة، لن أطيل الشرح حول جهل ودجل هذا الرجل، فلحسن الحظ وجدنا أن الفيديو الذي يفضح جهله مترجماً للغة العربية هنا [3] .

آراء لبعض المختصين حول البايوديسك ومثيلاته

من باب دعم ما تقدم ذكره بآراء النخب الاجتماعية عرضتُ المقالة على عدد من الأصدقاء الأعزاء المختصين، فوصلني مداخلتان أعتز بتضمين مقالتي لهما.

الدكتور مؤيد عبدالله الحكيم - أخصائي طب الأطفال بمستشفى طب الولادة والأطفال بالدمام

"البايوديسك وما شابهه يمكن إدراجه ضمن إطار ما يسمى الطب البديل، وموقف الطب الحديث من هذه الأمور واضح وهو التحفظ التام حتى تثبت فعالية هذه المنتجات بالدراسات العلمية أولا وتثبت سلامة استخدامها ثانيا. وبإمكاني التأكيد بعدم وجود دراسة علمية واحدة تثبت فعالية البايوديسك على جسم الإنسان. مع ذلك نجد البعض لا زال يؤمن بجدوى التجربة مستندين في دعوتهم هذه الى عدة أوجه:

أولها: أنها ان لم تكن مفيدة فلن تضر.. وهذا مفهوم خاطئ، فكما ذكرنا آنفا أن سلامة أي علاج تتطلب الإثبات العلمي، إضافة الى أن استخدام منتج ما من باب التجربة هو بحد ذاته دعم منا لهذا المنتج وترويج له في المجتمع فلا يجب أن ندعم إلا ما يستحق الدعم وهو ما تحققه الإثباتات العلمية فقط، أضف إلى ذلك أن استهلاك هذه المنتجات مجهولة الفعالية هو إهدار للمال، ولا يخفى على الجميع أن مثل هذه المنتجات يتم استغلالها ماديا من قبل شركات ربحية خاصة تدر الأموال من جيوب المرضى والمحتاجين.

ثانيها: أن المستهدفين هم مرضى حياتهم في خطر فلماذا ننتظر الدراسات العلمية التي قد تطول لسنين؟ وأنا أقول من قال أن الطب الحديث واقف مكتوف اليدين أمام أمراض العصر، الدراسات تتم بالمئات حول العالم وكلما اكتشف علاج جديد فإنه يتم نشره حول العالم لكي يستفيد منه المرضى حول العالم، ولا يتم احتكاره كما تفعل شركات الطب البديل، وعند عدم توفر العلاج في مكان ما فإن المريض ينصح بالذهاب إلى المكان المتطور الذي يوفره. فالسؤال هنا: أيهما الأجدر بالتجربة: علاج مجهول المصدر والفعالية والأمان أم علاج أثبتته الدراسات العلمية؟

ثالثها: أن العلاج جربه فلان والنتيجة كانت ايجابية! وهذه أسوأ طرق الترويج للمنتجات ”خبثا“ لأنها أكثر ”اقناعا“ للعامة من غيرها، وعلينا هنا أن نشدد على أن مفهوم ”تجربة الآخرين هو إثبات“ هو مفهوم خاطئ للغاية لأن التجارب والدراسات العلمية أصلا قامت لأجل التفريق بين ما تكون نتيجته إيجابية من باب الصدفة أو تحت التأثير النفسي فقط وبين ما هو مفيد بالفعل علميا وذلك عن طريق تقسيم مجموعة من المرضى إلى قسمين لهما نفس الصفات التي قد تؤثر على الدراسة، يتم تقديم العلاج محل الاختبار للقسم الأول منهم وعلاج وهمي للقسم الآخر، ومن ثم مقارنة القسمين لتحديد مدى فعالية العلاج، بدون هذه الدراسات لا يمكن الجزم بفعالية أي علاج علميا، حتى ولو كان العلاج مبنيا على فرضيات علمية أثبتها المختبر كما يدعي أصحاب البايوديسك.

أخيرا أقول أن التجربة التي لن تضر كما يدعي البعض هي جل ما تريده منا شركات تصنيع هذه المنتجات تخيلوا لو أن الجميع جرب هذا المنتج، بغض النظر عن النتيجة فان هذه الشركات رابحة 100%! "

الدكتور هادي آل شيخ ناصر - طبيب مقيم في تخصص الطب الوقائي بجامعة جون هوبكنز

"لا أملك ما أضيفه إلى البحث الرائع الذي تفضل به أخي العزيز برير حول موضوع البايوديسك، فواقعاً لم أسمع بهذا الأمر من قبل بحكم تواجدي في أمريكا، وبرير غطى مشكوراً البحث من كل جوانبه مفنداً دعاوى البايوديسك من أساساته، هذا إن كان له أي أساس في الأصل! إلا أنني وددت أن أغتنم الفرصة للإشادة بالمنهج العلمي التحقيقي «Scientific Skepticism» الذي ضرب له برير مثالاً جميلاً. لا أظن أن أحداً منا ينكر أن هناك من يستخدم العلم - أو الدين - لتحقيق مآرب خاصة، ولا بد من سبيل لكشف ذلك، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوقف قليلاً أمام كل جديد، وبالخصوص إن خرج عن المألوف، والتحقيق في مصادره وادعاءاته، وعرضها على الخبراء إن لزم الأمر.

للأسف الأمر لا يقتصر على مجتمعاتنا، ففي المجتمع الأمريكي أمثلة مشابهة، ومثلما حصل لغط ورفض حول لقاح الإنفلونزا في مجتمعاتنا مبني على إشاعات وأخبار غير صحيحة، كان ولا زال لجزء من المجتمع الأمريكي موقف مشابه، بسببه يصاب بعضهم بأمراض يسهل منعها بالالتزام باللقاحات، مثل الحصبة. ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يصل الأمر أن يشارك في مثل تلك الفرضيات الغير مثبتة حملة الشهادات العليا، أذكر على سبيل المثال الدكتور ديباك شوبرا الذي عمل في جامعات راقية مثل هارفارد، ثم ينشر مبادئ علمية غريبة لا يتكلم فيها أحد غيره، حيث يخلط الطب بالدين وفيزياء الكم «الكوانتوم» في مبادئ تبدو جميلة ورائعة في أول وهلة، ولكن تجدها خاوية حين تتحقق من أساسها العلمي. قد يتبادر إلى الذهن: ولكن ما مكسبه من ذلك؟ الجواب: الشهرة، وسبعون كتاباً طبع منها ملايين النسخ. "

وقفة سريعة مع QNET والتسويق الهرمي

بعد أن أحطنا الحديث حول البايوديسك لا بأس بوقفة سريعة مع منتجات QNET والتسويق الشبكي أو الهرمي..

لا أريد الإطالة كثيراً فإن شركات التسويق الشبكي «الهرمي» دخلت في جدل ليس بالبسيط عما إذا كانت تتبع نموذجاً مشروعاً للتجارة دينياً وقانونياً، وحتى ما إذا كانت ذات أثر تدميري للمجتمع والاقتصاد، ما أريد قوله هو أن المنتجات ذات الفائدة الحقيقية تثبت نفسها في السوق، وليست بحاجة لأن تحظى بتسويق شبكي أو تخصص لها برامج دائمة في القنوات الدعائية، فالمراهم ذات الفائدة المثبتة للبشرة متوفرة في الصيدليات، وكذا الشامبو والصابون ذوي الفوائد المثبتة والمدروسة، وهي كلها مرخصة دولياً وتباع بطرق مقننة، لكن المنتجات المثيرة للجدل والتي يدعى في فوائدها الكثير من أشباه المستحيلات هي التي يتم تسويقها بأسعار فوق قيمتها بأضعاف كثيرة، وهكذا تقوم القنوات الدعائية بتخصيص برامج لها، وتحتضنها الشركات الهرمية كغطاء قانوني لنشاطها، لأن قيمتها السوقية الفعلية منخفضة جداً مقارنة بسعر بيعها.

وللتأكيد على أن فوائد الكثير من هذه المنتجات وهمية، وأنها ليست سوى تلاعباً على القانون، تجد شركات التسويق الهرمي مثل QNET قد تم حظر نشاطها في العديد من الدول كرواندا وتركيا والسودان وسوريا وإيران ونيبال وحتى في المملكة العربية السعودية عبر وزارة التجارة والصناعة [4]  [5] ، يضاف إلى ذلك أن هذه الشركات ذات تاريخ مليء بقضايا النصب والاحتيال في العديد من الدول كمصر والهند وأمريكا وغيرها الكثير من الدول [6]  [7]  [8] ، ومما يجدر ذكره أنه تبعاً لقرار حظر نشاط كيو نت في السعودية، فإن موقعها أيضاً محجوب داخل المملكة [9] .

كلمة أخيرة لأجل مجتمع واعٍ

ما أردتُ قوله في هذه الخاتمة لأبناء مجتمعي الأعزاء أنه لابد لنا جميعاً أن نشارك في رفع وعي المجتمع وحمايته من المضار الكبيرة للمعلومات الخاطئة، والتي يتم نشرها من دون تحقق أو بحث، ومن دون الرجوع لأهل الاختصاص، وإنني أردت التنويه أن الإعلام لدينا، حتى الرسمي منه كما رأينا في قناة الشارقة، يحتوي على الغث والسمين، وإن التحقق من مصداقية المعلومة هي مهارة ينبغي على كل شخص منا امتلاك الحد الأدنى منه، فإن لم يكن أحدنا مختصاً أو ممتلكاً لحصيلة معرفية وافية، فهو على الأقل بحاجة لمراجعة أهل التخصص حتى لا يقع ضحية الدجل والأكاذيب التي تروّج في كل وسائل الاتصال الحديثة.

المراجع:

[1]  دجل كريستالات الماء، لعالِم الكيمياء الحيوية ستيفن لور http://www.chem1.com/CQ/clusqk.html

[2]  موضوعنا حول كرامات أهل البيت في منتدى الساحل الشرقي http://saihat.net/vb/showthread.php?177798

[3]  مخترع البايوديسك وقلادة الشبندنت والدجل http://www.youtube.com/watch?v=z_G0SkAOcJc

[4]  حظر نشاط كيو نت في العديد من الدول http://en.wikipedia.org/wiki/Qnet#Controversies

[5]  وزارة التجارة والصناعة السعودية تحظر كيو نت http://www.arabnews.com/saudi-arabia/%E2%80%98suspicious%E2%80%99-qnet-banned

[6]  ضبط ثلاثة مسؤولين لكيونت في مصر والتحقيق معهم في قضايا نصب واحتيال http://www.almasryalyoum.com/news/details/214243

[7]  جناح الجرائم المالية في الهند يبدأ القبض على أعضاء من كيونت على خلفية قضايا احتيال مرفوعة ضد الشركة منذ سنة 2008http://timesofindia.indiatimes.com/city/mumbai/EOW-makes-first-arrest-in-QNet-case/articleshow/21898062.cms?referral=PM

[8]  القضاء الفيدرالي في أمريكا يخبر ممثلي جولد كويست «الإسم ما قبل السابق لكيونت» بتغريمهم 1000 دولار لكل يوم تأخير وسجنهم إذا لم يسلموا الأموال التي اختلسوها عبر التسويق البونزي «الهرمي» http://www.reviewjournal.com/business/gold-quest-owners-face-fines-jail-time-if-assets-not-surrendered

[9]  موقع شركة كيو نت، وهو محجوب من قبل هيئة الاتصالات السعودية http://www.qnet.net/
باحث أكاديمي
مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية