آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

المنبرُ أمانةٌ..

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في مقطع مصوّر الأسبوع الماضي لجزء من محاضرة عنوانها: «أسباب هلاك الأمم»، وضمن ملتقى المدينة الشبابية في جدة، كان المحاضر هو الشيخ عبدالعزيز الفوزان، وباعتبار الشيخ الفوزان من ذوي الجماهيرية المعروفة، كما أن الملتقى في اهتمامه الرئيس موجّه لشريحة الشباب، فإن المقطع الذي لم يتجاوز الأربع دقائق وسبع عشرة ثانية، حمل حديث الشيخ الفوزان الذي كان يتكلم خلاله عن تيارات التطرف، وعن تنظيمات داعش والقاعدة التي أولدتها أساساً، وجميع تلك المنتجات، كما يشير إليها الباحثون في هذه التنظيمات بكل تشكيلاتها ومفرداتها يجري عليهم التوصيف الذي بات أكثر دقةً في الدراسات الفكرية والذي يعتبرهم أنهم خوارج العصر وسافكو الدماء المحترمة والمعصومة، من داعش وأضرابهم، إلى جميع الزّمَر الضّالة من حواضن وتيارات ما يعرف باسم القاعدة، إلى أن صار الآن مفتوحاً في استيعابه لمثل هذه التوجهات التي لا ترى الحياة إلا لها ولفكرها وأيديولوجيتها الممسوخة، التي ترفع الدين اسماً، وتنتهك كل مبادئ الإسلام والأخلاق بشكل سافر ومعتدِ على كل الأصعدة وفي كل البقاع التي انتشر فيها هذا الفكر يصفه بعضهم بالصهيوخارجي.

ولعلّ جميع العقلاء يتفقون على أن هذه التيارات هي وباء أصاب جسد الأمة، وفكر مسموم أتى من صنيعة منتجي الشر والدمار في العالم عبر الصهيونية العالمية التي لا يسرها سوى تفتيت الأوطان المسلمة وإضعافها.

ولكن ما كان لافتا ومستغربا، هو ما نقله الشيخ الفوزان في واحدة من قصتين كان يخبر في الأولى منهما ناقلا عما وصفهم بعلماء من العراق وبعض القيادات الجهادية المعروفة هناك، والمشهود لها بالأمانة حسب تعبير الشيخ نفسه، كان قد جلس إليهم في شهر رمضان القريب، ثم يسرد في قصته تلك بأن أحد القيادات التي عرف أنها في القاعدة هو شيعي سعودي من القطيف، إلى آخر كلامه، وبعض الأسئلة التي قد تأتي هنا، إن كان النقل غير مجزوم به، فالجواب منتهٍ، وإن كان مجزوماً به، فهل هناك ما يؤيد ذلك، إذ ذلك عسير جداً، فحين ينقل عن بلد أريد له أن تسوده الفوضى، وكانت ألاعيب الاستخبارات الدولية على مسرحه، مما امتلأت به الصحف وكتابات المتخصصين في هذا الشأن في حينه، وحتى بعد ذلك، وصولا إلى المرحلة الحالية، بل إن مما هو ثابت ضمن هذه اللعبة أن يتم تحريك الفتنة الطائفية والمذهبية هناك، والجميع يعرف قاعدة فرّق تسد، التي أصبحت الآن فرّق وقسّم تغنم.

إذن يمكن أنه تم ترويج ذلك هناك من جهات استخبارية، ومضمون القصة المنقولة يعزف مباشرة على الوتر المذهبي، الذي قد يحرّض على التقاتل والتناحر، مما يأخذ الجميع إلى فتنة، قد لا نكون بعيدين عنها، إذ إن هناك من غرر ببعض أبنائنا وأخذهم تحت شعارات الجهاد وغيرها، وفي ذلك أحاديث ذات شجون.

أما في منظور رأي الشيخ الفوزان وقناعته وكل من يقتنع بذلك، أقول لابد أن نلتفت إلى أن هناك محاولات لتصوير أن الشيعة هم ضد للسنة، والسنة هم في تضاد مع الشيعة، وهذا قطعاً غير صحيح، وإنما كل ما يحصل من إثارات في هذا المجال، مما يثير الفتن، ويعرض وحدتنا الوطنية، وقد يمسّ بأمن وسلامة أوطاننا، إنما هدفه واضح ومصدره أولئك الظلاميون من داعش ومن اقتفى ضلالهم، تحت إدارة قوى الحرب والموت.

أما نحن فنعلم كم هي شواهد التعايش الجميل والمواطنة في بلادنا حفظها الله ماثلة أمامنا، ولم تصلنا هذه الأفكار المتطرفة إلا حينما غزتنا غيلان التيارات المنحرفة ذات الواقع البائس، التي تُدار من أهل الدسائس والفتن الذين يستهدفون أوطاننا الآمنة وشبابنا، ولكنّ وعي الجميع ويقظتهم هو واجب يُفوِّتُ كيد الكائدين، وإرجاف المرجفين، وضلال المنحرفين.

ولا بدّ أن ننتبه لقضية مهمة تحمل أبعاداً محورية رئيسة، وهي أن يكون المنبر الدعويّ فيها موجها لكل ما فيه خير البلاد والعباد في هذا الوطن الغالي، دون مساس بمذاهبه أو مناطقه أو قبائله، إذ إن المنبر أمانة ومسؤولية يجب الحفاظ عليها.

وكم هو خطير أن يتبنى البعض أطروحاتٍ هي من أعلى أسّها إلى حضيض أساسها متعارضة مع الخير ووجوهه، حينما تسعى لصناعة استقطابات داخل الوطن، مما فيه خطر إثر نزعته الطائفية أوالمذهبية أو غيرها، وحريّ بالجميع ولاسيما أهل المنابر والعلم أن يلتفتوا إلى مضامين طرحهم، فالكلمة أمانة، ورُبّ كلمة قالت لصاحبها دعني!

وكما لا يخفى على الجميع أن حجم التشرذم والصراعات في محيطنا ليس بالهيّن، وإن خطرالتحريض كبير، خصوصاً ما كان فيه تأسيس للسدود والخنادق الطائفية أو المذهبية، مما ينتهك مفهوم المواطنة الرحيب، ولذلك فلابدّ للعلماء العارفين والمفكرين والمثقفين وجميع المعتدلين أن يأخذوا زمام المبادرة، لينشروا ثقافة المواطنة وتعزيها، لئلا يأتي من يمزّقنا عبر منابر الفتنة وبرامج الضلال.

إن المرجوّ هو المحافظة على جميع المكتسبات الوطنية، وتعزيز روح الوحدة والمواطنة، وهذا الهدف لا يتحقق إلا بسعي من يتّقون الله في البلاد والعباد، أما من يسيئون إلى مقدراتنا ومواردنا البشرية التي هي أعز ما تملكه البلدان، فهم من فقد البوصلة الصحيحة للوصول إلى الاتجاه الصحيح في تفكيره وشعوره وممارساته.

كفانا الله جميعاً لواقح الفتن، ما ظهر منها ومابطن، ويقول المولى عزّ وجلّ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.