آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 1:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

صدق أو لا تصدق

باقر علي الشماسي *

كتب الاستاذ خالد الغنامي في صحيفة الشرق اليومية الصادرة في الدمام في صفحة «رأي» عدد «50» 29 صفر 1433هـ بعنوان «عائلة سعودية تعيش في مقبرة» واسم رب العائلة محمد ناصر أبو شريفة. نقلا عن الصحيفة الاقتصادية ولقد وضع الكاتب أصبعه على الجرح فشكراً له.

أنه خبر تكاد لا تصدقه الأذن ولا العين، في بلد تموج فيه بحيرات من كنوز الذهب الأسود «النفط» لا مثيل له في العالم من حيث عدد انتاجه وتسويقه اليومي بملايين البراميل عدا الدخول الأخرى الخيالية.. «اللَّهمَّ زد وبارك وابعد عنا عيون الحساد....» وأما الاحتياطي من النفط فحدث ولا حرج: ولو عرف أي مواطن عادي في أي بلد في العالم عن هذه الأرقام من الدخل اليومي والشهري والسنوي لبلادنا المعطاء وعرف النسبة من الفقراء والمعدمين والعاطلين لسقط مغشياً عليه «ومن الحب ما قتل» ولو تفحصنا ودققنا النظر لوجدنا أن عدد العائلات الساكنة في «المقابر من نوع آخر» سيصل إلى عشرات الآلاف من العائلات.. أنهم يسكنون في مقبرة اسمها هموم الحياة اليومية الممضة الخانقة وهي الثلاثي القاتل: الديون والفقر والبطالة.. فالعاطلون من الجنسين يسكنون ويتلمظون عذابات الفراغ من جهة ومن فراغ الجيوب من جهة أخرى، لاسيما إذا كان آبائهم فقراء وبيوتهم من أكواخ أو عشش أو بالإيجار تجدهم يندبون حظهم التعيس وتكاد عيونهم تبكي بكاء الثليم، ودموعهم لا تكفكفها حتى العواطف الأبوية الحانية..

أليس هذا الوضع كوضع الساكنين في المقابر؟ كذلك نجد شريحة أخرى من الشابات والشباب الجامعيين العاطلين نادمين على السنين الطويلة التي مضت من أعمارهم في الدراسة، وسهروا الليالي وناموا ورؤوسهم مدفونة بين «زنابق الكتب» الدراسية من شدة الإعياء والإرهاق، وفي المحصلة لا يجد عملا إلا القليل منهم.. أليس هذا الوضع محبط وقاس على النفس البشرية؟ وربما يكوّن ذلك تداعيات اجتماعية وردات فعل لا تحمد عقباها؟ وأنه وضع لا يختلف في مأساته الانسانية عن ساكني القبور؟ وفي المقابل نجد في الصحافة المحلية عناويين بالبنط الكبير تطلع علينا بين الحين والآخر لتعشمنا بالسعودة للقضاء على البطالة...؟ إذا مصداقيتها كبيادق براقة جميلة ومنتظمة في مربعاتها ولكنها جامدة مكانها وبدون لاعبين.. ان هذه وتلك من الشرائح الاجتماعية يبدو وكأنها من المنسيات في السلال المهملة؟ لم تجد من ينفحها لفتة مسؤولة من الجهات المعنية.. كما يبدو أن بعض المتنفذين هم المقصرون، وبعضهم لا يروق لهم سعادة المواطن والبعض الآخر يتحيزون لهذه المحافظة أو لهذه المنطقة على حساب تلك..

أما الذين يتهيئون لمشروع زواج أو أن يهيئوا أنفسهم لبناء بيت، يبدؤون طبعاً بشراء الأرض وقيمة الأرض ولو كانت مساحتها متواضعة 400 متر مربع مثلا لا تقل قيمتها عن مليون ريال، والبناء عليها يكلف مليونين ريال إذا كان من طابقين فقط. فمن أين يأتون بهذه الملايين من ذوي «الدخل المنحوس» آسف من ذوي الدخل المحدود المتدني؟ ومشروع الزواج من هذه الفئة الفقيرة يكلف صاحبه لا يقل عن مائتي ألف ريال: إذن ليس أمام هؤلاء إلا خيارين فقط وكل منهما مر وقاس جداً: وهما اما أن يستدينوا من البنوك ويبقوا سنينا طويلة كعبيد يترنحون ويتعذبون بسياط هموم الديون في كل ساعة ودقيقة. وربما من خلال ذلك تتمكن هذه الهموم من نهش أجسادهم وشرايينهم لا قدر الله.. واما أن يبقوا طيلة حياتهم بدون زواج ولا هم يحزنون، وبدون امتلاك بيت ويبقوا في بيوت الايجار إلى الابد معرضين لإخراجهم منها من قبل المالك بين يوم وآخر.. صحيح أن الصندوق العقاري يعطي المواطن صاحب مشروع بناء المنزل خمسمائة ألف ريال حديثاً ولكن من أين يأتي بباقي التكلفة الباهضة إذا لم يستدن من البنوك أو غيرها؟..

نتمنى أن تجد الجهات المعنية حلولا جذرية لمثل هذه القضايا المخجلة قبل أن تترهل وتزمن ومن ثم تأتي تداعياتها وردات الفعل أقسى سلبية مما نتصور، من قبل الأجيال المقبلة ويكون العلاج عندئذ عصيا.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف