آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التعليم وحصون الوهن

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في المجتمعات النامية ثمة جرثومة تستشري في جسد وبناء هيكل الممارسة التعليمية، وبنسبة تتجاوز المعدل المُعتدل، تخفق الخطط التنموية وتسقط مظلات التعليم بفشله الأخطبوطي، وتتهاوى كل مقاصد التعليم ومراميه تحت حوافر الجهل المُقنع، ولا أعني هنا بالجهل الناتج من أميَّة الفرد وعدم إنهائه للتعليم النظامي، لكني أرمي إلى وجه العلم المُقنع بألوان الجهل والتخلف الذي يكاد يُتلف حتى رغبات هذا الجيل من طالبي العلم لمسلك التعليم بمراحله المختلفة، وفيما لو تتبعنا بعض التغريدات في التويتر أو بعض البرودكاستات عبر برامج التواصل والاتصال فيما يتعلق ببداية بدء الدراسة أو قرب بدء الإجازة النصفية أو النهائية، فإنك لن تجد ما يتضمن اللهفة والرغبة في خوض غمار الرحلة الدراسية السنوية، فكل الأمنيات تصُبُّ في تأجيل الدراسة وتمديد الإجازة، وما إلى ذلك من أمنيات تُحقق انفصال المُتعلم عن محيطه التعليمي، فمن المسؤول عن هذا الانطباع غير السوي؟!

للإجابة على هذا السؤال نحتاج مبحثاً خاصاً ومُخصصاً، يتناول العوامل المؤدية لهذه الحالة المُخجلة والباعثة للامتعاض، وبطبيعة الحال ستتداخل المُسببات المتعلقة بذلك بعضها بطول الدوام الدراسي الذي يلحقهُ دوام آخر، هو الدوام البيتي أو المنزلي، والمُثقل بالواجبات المنزلية والتحضيرات بأنواعها العملية أو العلمية، وهنا يفتقد الطالب المتعة في التعليم المدرسي والمنزلي على حد سواء، مما يبعث في داخله الثقل والنفور والبحث عن الخلاص، وكذلك الكم غير المبرر من عدد الكتب ووزنها المُنهِك للبُنية الجسدية للطالب، وأسباب أخرى يتعذر المقام أن يحتويها لمحدودية المساحة في هذه الصفحة، وكذلك تطغى البيروقراطية المُنفرة فتُكبل كل مسعى للإبداع سواء من المعلمين المُقيدة صلاحياتهم ضمن حدود جامدة أو حتى الإدارة المدرسية التي هي عبدٌ لمأمور هو أعلى في سلطته الجامدة والمُحنطة في كثير من الأحيان، وهذا ما يقتل كل روح إبداعية متميزة في طلابنا على مختلف المراحل، فالجمود في العملية التعليمية لا يُقدم لهذا المجتمع جيلاً خلَّاقاً ومُنتجاً فكرياً وإبداعياً، فلا يعني تزويد المؤسسة التعليمية بأجهزة متطورة كي يتطور المُنتج الطلابي، فالقصور الأدائي مازال ينخر أجهزتنا الإدارية المقيدة التي لا تمتلك القرار والمبادرة في قلب هيكلة الجهاز التعليمي الذي بدا ديناصوراً في مهامه وقوالبه بطيئة التغيير، ففي عصر السرعة الأمر يحتاج لنقلة نوعية تنفض الركود في مياه التغيير لتبدأ ثورة تكنولوجية في رواقنا التعليمي الذي يملك من الكفاءات البشرية المُبدعة والقادرة على رسم مسار يُنتج لنا جيلاً يتعلق ويهفو لهذه البيئة التي تبني عقولاً تُشيِّد حضارات قادمة، ولسنا بحاجة لبيئة رتيبة تغرس في نفوس المُتلقين صورة المعلم المارد والطالب المُنكسر الذي عليه أن يُداوم ويستمر على مهمة التلقي وليس سواها، فلم يعد جيل اليوم كأجيال مضت، فهل نحنُ نعي هوية أبناء هذا الجيل؟ مهما تباين وعينا لتحديد الإجابة إلا أننا سنتفق على أمر واحد ألا وهو أن العنف اللفظي والجسدي والسيطرة، كل ذلك قنبلة موقوتة إذا مورس كسياسة لتقويم الطالب، ولم يعد مسلك الترهيب العنيف مسلكاً قصيراً للوصول للهدف، بل على العكس تماماً هو كما السكب للزيت على النار، ولهذا كثرت حوادث العنف المُتبادل بين المعلم والطالب في أكثر من مؤسسة تعليمية، فلم يعد الاعتداء مقتصراً على الطالب بل طال الكوادر التعليمية وبوسائل شنيعة، فتغذية الطالب بالعنف بوسائله المتعددة سيُفرز عنفاً من جانب آخر، هذا ليس تبريراً لرد العنف بالعنف أبداً، لكنه قراءة لحالة بطبيعة الحال، فما سيتولد من التعدي عليه بطريقة عنيفة هو ارتداد هذا العنف للمُعتدي نفسه أو خارج دائرة الحدث وانفجار هذه القنبلة المكبوتة في مكان ما وفي زمان آخر، فالسلطة تستدعي أن تمتلك القوة بأدواتها الكثيرة لكنها لن تنجح بأي حال من الأحوال بامتهانها العنف كوسيلة مُنتهجة، إلا كونه - وليس في كل الظروف - وسيلة أخيرة لحفظ بُنية السلطة، فالقوة ليست عنفاً، والعنف لا يُصنف كقوة، وكذلك العنف لا يعتمد العدد فزناد البارود يحتاج يداً واحداً للإطلاق، بينما القوة تعتمد الجمع والتلاحم الجماعي؛ فالاتحاد قوة.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.