آخر تحديث: 5 / 12 / 2020م - 1:34 ص

تعليمُنا.. وعمليات الترميم

شاكر أحمد تريك

يُعد التعليم واحدًا مُنْ بين أولويات الشُّعوب والدول في خطط البناء والتنمية، حتَّى باتت أيِّ دولة تتحدث عَنْ قوتها تُشير إلى رأسمالها البشري وتنميته بوصف ذلك على رأس قائمة ثرواتها وخططها التنموية. فالعالم اليوم ينحو منحى التَّجديد والإبتكار والأصالة في العلوم التَّربوية عامةً وفي حقل التَّربية والتَّعليم خاصة، إذ تُعّدُ التربية الإنسانية جوهرُ الحضارة البشرية على مرّ العُصور.

إِنَّ نظرةً إلى مُجمَل العملية التعليمية في المملكة تؤكد - حقيقة - أَنَّه لم يكن هناك تعليم، وأَنَّ كل ما تَحقَّق مِنْ نجاحات هي نجاحات منقوصة، كان مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ نفوق غيرنا خصوصًا إذا ما توافرت لنا إمكانات أكبر مما توفر لغيرنا مِنَ الشعوب. فكافة العاملون في السِّلك التعليمي مِنْ مُعَلِّمِين ومُوَجِّهِين وإداريين وغيرهم بحاجةٍ إلى إعادة تأهيل بالكامل وما يتمشي مع التطور العلمي العالمي، وكذلك إعادة تغيير بالكامل لمفاهيم وَقِيَمْ ترسَّخت في أذهانهم ونالت رضى وقبول مِنْ بعض المسؤلين.

فالتعليم السائد عندنا اليوم ومما لا شك فيه أَنَّه غيرُ قادرٍ - بأي شكلٍ مِنَ الأشكال - على إفراز النوعية البشرية التَّي تَصْلُح لمواجهة تحديات العصر المختلفة بشكلٍ إيجابي وفعّال. فلا جدوى بعمليات الترميم الجزئي التَّي تواصلت خلال السنوات الآخيرة في المؤسسة التعليمية. وذلك لَأنَّنَا وما زلنا نرمم ”الأعراض“ ولا نُصْلِح منابع تلك الأعراض أيّْ ”الأمراض“. فلا زالت وزارة التربية والتعليم تتسم بالعيب الأساسي وهو“نسخ”واستيراد نُظم تعليمية معمول بها في أقصى الشمال أو الجنوب و”لصقها”وتطبيقها لدينا، غير آبهةٍ بِأَنَّ لكل بلد تاريخه وظروفه وميزاته الخاصة به ولا بد مِنَ اتخاذ هذه النواحي عند إعداد أيِّ نظام تعليمي متكامل وبعيد المدى وقابل للتطوير المستمر وفق المستجدّات. كما أَنَّ غلبة «الكم» بشكلٍ جارفٍ على «الكيف»، وفساد الذوق بشكلٍ عامٍ في المسائل المتعلقة بالأدب والشعر والفن والرواية والقصة، وكذلك «الحشو» وحشر المعلومات والمعارف في رؤوس وأذهان الطلاب يعتبر مِنَ الأمراض التَّي لم تُعَالَج حتَّى اليوم.

مِنَ المفروغ مِنْه أَنَّ المُعَلِّم هو حجر الزاوية في محور العملية التربوية والتعليمية، إِنَّه سرّ التميّز والتفوق، لذا يجب أَنْ يتمتع بالكفاءة وبالثقة ويحظى باحترام المجتمع وأَنْ تكون لديه الحرية في اختيار المادة وطريقة التدريس الملائمة. فالعبرة ليست متمثلة بالمال المصروف على التعليم بل بكفاءة المُعَلِّمِين وبعملية تعليم ناجعة. فَمِنْ هذا المنطلق يجب على قادة الرأي في بلادنا، ومَنْ يَدْرِسُون الحالة التعليمية ويضعون لها الحلول الناجعة مما ألَّم بها مِنْ تأخر أَنْ يأخذوا حالة المُعَلِّم، ويتناولوها بالدراسة المستفيضة، لِيُمْكِنُنَا أَنْ نتصدى للحالة المتأخرة التَّي يعيش بها تعليمنا، وأَنْ يحاولوا إعداد المُعَلِّم إعدادًا صحيحًا ومناسبًا، وأَنْ يولوه الإهتمام المناسب، الكفيل بتمكينه مِنَ المساهمة وبنجاح في إخراج الطلاب مِنْ حالة الجهل التَّي يعيشون بها إلى حالة مِنَ التطور والإزدهار تنشدها مجتمعاتنا، بعيدًا عَنْ أسلوب التلقين الذي يعمل به بعض مُعَلِّمِينا، فيفقد طلابنا نتيجة ذلك الأسلوب الخاطىء شخصيتهم المستقلة القابلة على فهم الدرس واستيعابه، فليست كل الأمور التَّي تناسب الغرب ناجحة التطبيق في حياتنا، التَّي يجب أَنْ نربي النشء بها على احترام مبادئنا ومثلنا. وإذا كان مِنْ واجبنا إكرام المُعَلِّم، فَإِنَّ واجبه أَنْ يكون أهلًا لهذا الإكرام بِأَنْ يكون محبًا لمهنته مخلصًا في أدائها، ملبيًا جميع متطلباتها عَنْ قناعةٍ وحب في قدر الإِمكان.

ففي ظِلِّ ثورة المعلومات التَّي يعيشها العالم في عصر أُطْلِقَ عليه عصر المعلومات، مِنْ غير المقبول وغير المنطقي أَنْ تظل المناهج التعليمية المُتَّبَعَة في المملكة بجميع مفاصل العملية التربوية ابتداءً مِنَ الإبتدائية وانتهاءً بالثانوية، جامدة وغير متطورة معتمدة في الإجابة على أسلوب التلقين في منهج وُضِعَ منذ عشرات السنين وما زال دون تطوير باستثناء طباعته الحديثة مَعَ بقاء المضمون نفسه.

إِنَّ الخطوة الأولى في مسار عملية تغيير المناهج وتطويرها وهي عملية مهمة وخطرة بحاجة إلى دراسة دقيقة وموضوعية مِنْ قِبَل خبراء مختصين لهم باع طويل في هذا المجال، تتمثل بإدخال التكنولوجيا الحديثة إلى العملية التربوية وبشكلٍ واسع وبخاصة في المرحلة الإبتدائية باستخدام مستلزمات التربية الحديثة والمتطورة التي تساعد الطالب على التعرف على الأجهزة والبرامج الحديثة وبخاصة حقل الحاسب الآلي والتعامل معه بأسلوب تربوي نافع، وليس للهو وقضاء وقت الفراع وذلك بالإستفادة منها بالتزود بالمعلومات والأفكار في بعض المواد مثل الكتابة والقراءة والرياضيات والعلوم، مما يساعد على سهولة إدراكه للمادة وترسيخها في ذهنه، على أَنْ يستمر هذا الأمر مَعَ المرحلة المتوسطة والثانوية حيث يتعلم الطالب معالجة النصوص وبعض البرمجيات والرسم والبرمجة ليتمكن مِنْ تَعَلُّم مهارات إبداعية تثير مخيلته وإبداعاته الذاتية الكامنة.

فالتَّعلم بالترفيه والتَّعلم باستخدام التكنولوجيا هو التَّعلم البديل من أجل تخّريج أجيال موهوبة تتَّسمُ بالإبداع والأصالة والإبتكار بحيث لا يكون التَّرفيه هدفًا في حدِّ ذاته بل مدخل يُفضي إلى كسر الروتين والملل وحالة العُزلة التي يعيشها المُتَعَلِّم بين بيئة المدرسة التي تتَّسمُ بالجدية والصَّلافة والشِّدة والحياة الطبيعية التَّي تتَّسم بالحيوية والفرح والمرح والضحك.

إِنَّ وجود جوانب رجعية عديدة تشجع على أَنْ يصبح الطلاب مادة خام صالحة لإستقبال الأفكار المخاصمة للعصر والحضارة والمدنية سببه خلو برامجنا التعليمية مِنْ مجموعة القِيَمْ الأساسية التَّي بدونها لا يوجد إنسان عصري صالح للتعامل مع معطيات وحقائق وتحديات العصر، وأعني قِيَمًا مثل قبول الآخر والقبول الموضوعي للنقد وعدم التعصب والإحترام العميق للخلافات القبلية والدِّينية والمذهبية والسياسية والفكرية والثقافية وكذلك ترسيخ ”ثقافة السلام“ عوضاً عَنْ ترسيخ ”ثقافة العدوان“ وكذلك بث قِيَمْ الحضارة الصناعية العصرية مثل العمل ضمن فريق والإتقان وتوخي الجودة.

في النهاية رسالتنا إلى المسئولين هي أَنْ يسارعوا في الحلول الجذرية وليس حلول من باب الترقيع للثغرات، حيث أَنَّ ازدياد العنف وازدياد ثقافة التشبع به داخل المدرسة عمومًا، إضافةً إلى ضعف الرؤى الفكرية والعلمية والنظرية لمواجهته، سيؤدي كل هذا لا محالة إلى إنتاج مجتمع عنيف لا يؤمن بالحوار والتعاون والتكافل مستقبلًا. ومِنْ خلال هذا الأمر فَإِنَّنَا سنعيش مستقبلًا خاضعًا للعديد مِنَ الهزات المجتمعية التَّي نحن في غنى عنها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 6 / 10 / 2014م - 12:01 م
لا شك ولا ريب ان العملية التربوية والتعليمية من أعقد المشاكل التي تواجه المجتمعات قديما وحديثا ..!!
الإنسان لا يمكن فصله عن موروثه الحضاري والثقافي وهذا اذا طبقناه على المملكة نجد الذي يعيش في جبال تهامة والذي يعيش في واحة الأحساء لا يمكن يكون الموروث واحد والمملكة بشكل عام تعتبر دولة ناشئة في جميع مجالات الحياتية ..!!
فعليه رفع مستوى الطموح والآمال قد يحدث نوع من الإحباط .. !!
المقصود التطوير ليس فقط في المناهج وطرائق التدريس وكفاءة المدرس أيضاً المرافق التعليمة كافة بدأ بغرفة الفصل المستطيلة أو المربعة الشكل .. غير الإضاءة والتهوية والحجم واللون .. وجميع النواحي النفسمكانية ..!!
هذا كله يتطلب الاعتراف بتنوع المجتمعات في المملكة ..!!
لا لتفرقة وانما محاولة ربط المشتركات والاستثمار بالخصوصيات ..!!
2
شاكر أحمد تريك
[ القطيف ]: 6 / 10 / 2014م - 1:03 م
"التطوير ليس فقط في المناهج وطرائق التدريس وكفاءة المدرس أيضًا المرافق التعليمة كافة بدءًا بغرفة الفصل المستطيلة أو المربعة الشكل.. غير الإضاءة والتهوية والحجم واللون .. وجميع النواحي النفسمكانية..!!"

جميع ذلك صحيح وجميل وعملية الإصلاح ليست بمعجزة يلزمها أنبياء، إِنَّها أمر في متناول ذوي النيَّات الحسنة، إذا ما توفرت إلى جانب الإمكانات والوسائل البشرية والمادية الضرورية، وانخرطت فيه كافة مكونات المجتمع مِنْ فاعلين ومتدخلين ومهتمين. لكن، يبقى ضروريًا الإهتمام بالإطار التربوي، الذي بدون العمل على الرفع مِنْ قدراته وتطوير مهاراته، وتحسين ظروف اشتغاله ومستوى عيشه، بما يضمن له التكوين والتكوين المستمر، ويساهم في تجويد العملية التعليمية-التعلمية، فَإِنَّنَا سنظل نتخبط في حلقات مفرغة، نهدر المال والجهد بدون فائدة.

مِنْ هُنا يتضح أَنَّ المدخل الرئيس لعملية الإصلاح، هو النهوض بالمستوى الفكري والمادي للعنصر البشري.