آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 7:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

توثيق الفجائع غرزة ألم

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

تربطنا بالذكريات الفائتة من حياتنا بتفاصيلها حزينة كانت أم بهيجة حبالٌ ممتدة من ذلك الزمن القديم إلى وقتنا الحالي، كشريط سينمائي مملوء بالمشاهد المليئة بأيقونات تذهب بنا لذلك الحين وكأننا نعيشه اليوم، وكأنه لم يمض ويأفل، ونتصفح الوجوه التي غيَّر ملامحها التقدم في الزمن ونحتضن الأصوات بتفاصيل منطوقها وبما حملت من أحاديث وضحكات، كل ذلك حفظتهُ لنا عدسات الكاميرا «الديجيتال - الفيديو»، وكثيرٌ منَّا يردد ماذا لو لم نمتلك تلك الآلة الصغيرة التي تختزل لنا كثيراً من الأحداث في حياتنا لنتفحصها وقت نشاء؟ لكن من جهة أخرى بدأت ترتبط تلك العدسة وعلى يد بعض من الأفراد في مجتمعنا بالولوج لخصوصيات الآخرين وهذا ما شهدناه في كثير من الأحداث التي تداولتها وسائل الإعلام لقضايا انتشار صور خاصة سواء من حفلات زواج أو من فصول مدرسية على يد بعض ضعاف النفوس مع الأسف الشديد، وتعددت الأسباب والأغراض من ذلك السلوك، ولسنا في محل قراءة النيات والدخول للضمائر هنا، لكنها مع الأسف ممارسة مسيئة وتستدعي الشجب.

من جهة أخرى، هناك من يقتنص الفرص حين يوجد في مكان حادث مثلاً ليلتقط الصور وبعضها يشمل جثثاً في حالة مروعة ومؤلمة، ولنكن أكثر إنصافاً قبل الحكم على هؤلاء ممن ينشر صوراً لأحداث رآها على مرآه ظناً منه أنهُ سينقل خبراً من أرض الحدث وكأنه سبقٌ وتميز، إنه ليس بالضرورة بنيَّة سيئة وهدف خبيث، قد يكون غياب الوعي والاعتياد على رؤية الصور المنشورة في فضاء الأثير وشاشات التلفاز من أحداث وفواجع عالمية، وكما نلحظ انتشرت صور لوحوش تتلذذ بقطع الرؤوس وما إلى ذلك من توثيقات، وهنا نشأت ألفة بين المتابع والمشاهد وبين تلك المنشورات، ولم يعد القلب ضعيفاً وحانياً كما في السابق، بل فقد جانب الرقَّة شيئاً فشيئاً، والشيء بالشيء يذكر، ففي ثالث أيام العيد تم تداول صور أثارت حفيظة كثير من الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي حين تم نشر مجموعة من الصور التي تم التقاطها لأطفال قضوا حتفهم متأثرين باختناقهم بدخان حريق شب في مسكنهم إثر ماس كهربائي، وكان القضاء والقدر غيبهم عن الحياة، وهم: علي «ستة أعوام»، وفراس «أربعة أعوام»، وقمر «عامان» من المنطقة الشرقية، وما يُثير الاشمئزاز من هذا السلوك أن الصور تم التقاطها للمفقودين وهم في وضعية التجهيز للدفن في مُغتسل الموتى، وكذلك في جوف القبر في المقبرة. السؤال الذي نطرحهُ وبحزنٍ شديد: هل تقع المسؤولية واللوم على من قام بالتصوير. أو من ساهم في النشر حتى توسعت مساحة الانتشار؟!

من هذا المنطلق تُبث ثقافة الوعي المجتمعي حين يُبادر أبناء المجتمع بوعيهم في نبذ مثل هذا المسلك حتى يستشعر بعضهم فداحة مثل هذه التصرفات ويصلوا إلى مرحلة الإحساس بالمسؤولية الواعية والدافعة للمجتمع للتفريق ما بين المقبول وغير المقبول من المبادرات السلوكية على المستوى الأخلاقي والإنساني. إذاً وحتى نصل إلى هذه المرحلة علينا أن نبدأ برفض توثيق فجائع الأمهات والآباء وغيرها، وعلينا أن نكون مسحة لطف لا غرزة وجع لأبوين مكلومين أو زوج مفجوع بفقد شريكه أو أخ مكلوم بفقد أخيه أو أخته.. إلخ، فهم بحاجة لغياب ملامح تلك الفاجعة وليس رسم وجهها المستعر بحرفية وفن رديء أمامهم. كما أن علينا واجب أن نحفظ حرمة موتانا وغض طرف عدساتنا الفضولية، وأن نحولها لوجهة أخرى لا تطال وتقتحم روحانية تلك المساحة التي تربطنا بأجواء هي لله أقرب، فمُعانقة اللحظات الأخيرة في توديع الموتى تأخذنا من أجوائنا الدنيوية بتجرد تام، فمن المفترض أن تتوقف حواسنا المرتبطة بمثل هذه الأجهزة الذكية، فكيف بالأمر أن يأخذ منحى الاحترافية في التقاط الصور؟!

إن النقد الموجه لهذه الظاهرة هو نقد بملمح إنساني ونداء خالص من كل التشنجات والعنف في النقد، فالرسالة التي نوجهها هي تقويم مسلك خاطئ وليس حرباً وانتقاصاً من فرد تلبسته الغفلة وغاب عنه الوعي في تلك اللحظات فالتقط صورة أو قام بنشرها عبر الفضاء الإلكتروني على حساب أوجاع الآخرين وآلامهم، والجيد أن كثيراً قام بحذف تلك الصور من صفحاتهم الشخصية بعد أن استشعر سلبية هذا السلوك، وهذا مؤشر واضح على أن الأمر ثقافة سلوك ووعي وليس موت ضمير إلا عند من رحم ربي.

أخيراً.. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عندهُ بأجل مسمى، ورحم الله موتى المسلمين ومنح الله الفاقدين قوة الصبر والجلد، وعزائي الحار للعائلة المكلومة بفقد أطفالهما الثلاثة، وعوضهما الله خيراً.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
بدرية الحرز
[ القطيف ]: 8 / 10 / 2014م - 5:07 م
ما أقسى هذه القلوب فكيف بهم بالإقدام على هذا العمل !!!
ياللعجب ويالقساوة قلوبهم

أشكر الأستاذة ليالي على هذه المعالجة
2
أحمد العلويات
11 / 10 / 2014م - 12:39 م
تحية للأستاذة ليالي الفرج وأشكرك على هذا الطرح الذي شغل العامة هذه الفترة وتلقى البعض درسا سيكون لهم في المستقبل رادع عن تكرار ما حدث لان الكثير فهم أن هذا السلوك غير محبب وهو يؤذي عوائل المفقودين

بارك الله في قلمك
كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.