آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

اشحن بطاريتك

جعفر آل أمان *

يعول حسن «44 عاماً» ستة أبناء، ولد وخمس بنات. يتقاضى راتباً قدره «4» آلاف ريالٍ، لا تكاد تصمد حتى منتصف الشهر مع كل الاحتياطات التي يتخذها، ومع أن إنفاقه يكون على الضروريات فقط، فالكماليات مفردة ليست في قاموسه. عاد ليسكن مع والدته في منزل العائلة بجانب أخوته الصغار بعد أن اكتوى بنار الإيجارات. ومع ما هو فيه من ضيق ذات اليد لكنه كريم لا يرد أحداً، وقد يحرم نفسه وعياله ليساعد طالب الحاجة، بل وصل الحال إلى أن يستدين إذا لم يكن لديه ما يعطيه للسائل. يعاني من عدة أمراض أبرزها السكر والضغط والأعصاب وضعف النظر مؤخراً.

ومع هذا تراه مبتسماً ومتفائلاً، ينثر السعادة على من حوله، ويحيل المكان الذي هو فيه إلى هالة من الفرح. لم أره متذمراً أو شاكياً ضعف حاله أو تعلل صحته. بل يلهج دائماً بحمد الله، ويحيل همّه وألمه إلى ابتسامة وسعادة. والفضل في ذلك كله يعود إلى تفاؤله الدائم.

سألته ذات يوم: ”كيف تستطيع مع كل متاعبك وآلامك أن تبتسم، بل وأن تنقل عدوى الابتسامة إلى من حولك“؟ فابتسم كعادته وأجابني بعفويته: ”ما يصبّرني على ما أنا فيه هو أنني أنظر لمن هم أضعف مني حالاً وأشدّ مني مرضاً، فأدرِكُ أنني أفضل من غيري، لهذا أحمدُ الله وأظل متفائلاً ومبتسماً وراضياً“.

لم أبادره بسؤال آخر، فقط نظرت إليه وكأنني أستحثه على المزيد. أدرك ذلك وواصل: ”لقد اكتسبت من جدي مهدي رحمه الله حب الناس، ومقولته الدائمة: «من عاش لنفسه مات لوحده» فأنا أحب أن ألتقي مع الناس وأعيش معهم، وخاصة القريب منهم من مستواي المعيشي والاقتصادي، وكم أشعر بالسعادة عندما أتواصل معهم وألمس مدى حبهم لي وتقديرهم لتواصلي“.

يمتلك حسن صبراً على البلاء والفقر، فهو صابر ومحتسب، كما أنه لم يحقد على أحد أو يتعمّد الخطأ على أحد، بل يملك إيثارا ومساحة من الحب تتسع للجميع. ودائماً ما أسمعه يكرر هذا البيت:

الدينُ حُلمٌ وإيثارٌ ومَرحَمَةٌ *** لا يَعرِفُ الدينَ أَحقَاداً وأَغْلالاَ

لديه طاقة هائلة من التفاؤل والأمل بالله سبحانه، وهو متوكل عليه وواثق بهِ دائماً، ولذا أهداه الله حب واحترام كل من حوله، وأعطاه القدرة على الابتسام حتى في أحلك الظروف.

ومثال آخر.. الأفغاني أحمد «48 عاماً» والذي يدير محلاً للفول في بلدتي منذ ما يقارب الخمسة عشر سنة. وبرغم غربته عن أهله ووطنه، وبرغم عمله الذي يفرض عليه الوقوف طوال اليوم، ألا أنه يظل مبتسماً وودوداً ومتفائلاً. محب للناس ويمازحهم ويتحدث - ودائماً بإيجابية - مع كل زبون حسب جنسيته وبلغته، ويستمتع بعمله. يسأل عن زبائنه الدائمين لو انقطعوا عن المحل. يمتلك وجهاً بشوشاً ومريحاً. يغمر كل من حوله بالتفاؤل والتشجيع والأمل.

عندما أذهب للمحل فأنا أقصد تحقيق أمرين، الأول هو شحن بطارية التفاؤل والأمل والابتسامة لدي عندما أحس أنها بدأت تنفذ، والثاني هو شراء الفول.

سألته ذات مرة عن كميّة التفاؤل والبهجة التي يمتلكها ويفيض بها على الآخرين؟! أليس لديه مشاكل وآلام ومنغصات؟ كيف استطاع أن ينجح في عمله؟ فقال لي وابتسامة هادئة تعلو وجهه: ”من قال أني بلا مشاكل؟ أنا مثل كل إنسان أفرح وأحزن وأتألم، لكني لا أيأس، أضع التفاؤل أمامي دائماً لأني أعرف أن التفاؤل والأمل هما طريقي للنجاح، والى حب الناس، والى التغلّب على المشاكل“. ثم أضاف: ”مع إشراقة شمس كل يوم وقبل قدوم أول زبائني أكون أمام خيارين، أما أن أكون هذا اليوم سعيداً متفائلاً أو تعيساً متشائماً، فأختار أن أكون الأول بكل بساطة“.

في المقابل يعاني صديقي حسين من حالة التشاؤم، فهو دائماً خائف ومنزعج ويرى كل شيء أسود. تتصل به زوجته مثلاً أو أحد أبنائه فيظهر عليه الارتباك ويردد: ”الله يستر، أكيد صاير شيء“ دائماً يتوقع الأسوأ. لا يركب الطائرة إلا مضطراً خوفاً من أن تسقط. لا يستمتع بسفره كما الآخرون. في كل تفاصيل حياته لا ينظر إلا إلى الجانب المظلم الذي يعكّر صفو حياته، ودائماً ساخط ومتذمّر، وينطبق عليه قول الشاعر إيليا أبو ماضي:

والذي نَفسهُ بِغيرِ جَمالٍ *** لا يرَى في الوُجودِ شيئًا جَميلا.

يذكر أحد الأخوة موقفاً عن صديق له متشائم فيقول: ”خرج صديقي كعادته كل صباح إلى عمله، وهو في الطريق انفجر إطار سيارته، فوقف ولم يكمل طريقه. أصلح إطار السيارة ثم عاد لمنزله ولم يغادره إلا في اليوم التالي، وبرر ذلك عندما سألته بأن ما حدث نذير شؤم، وقد يحدث له مكروه لو ذهب لعمله. بينما الذي حدث أمر طبيعي ممكن أن يتعرض له كل الناس“. المتشائم ينظر للنصف الفارغ من الكأس، بينما المتفائل ينظر للنصف المملوء منه. وللأسف أن حالة صديقي حسين أو الشخص المتشائم ليست حالة فردية، بل هناك قطاع عريض من الناس ذكورا وإناثا، مثقفين وغير مثقفين، ينظرون للحياة بتشاؤم، ويبنون قراراتهم الحياتية على هذه النظرة السلبية.

حسن وأحمد يمتلكان طاقة ايجابية تجعلهما ينظران للحياة من جانبها المشرق، ولديهما قناعة تامة بأنهما يملكان قوة داخلية جبارة يحركانها كيف يشاءان. ولذا اختارا السعادة لهما ولمن حولهما، لأنهما يدركا أن السعادة والتفاؤل بيدهما، فهما من يقررا أن يكونا سعيدين متفائلين أم حزينين متشائمين.

علينا أن نتفاءل دائماً، وأن نجعل من إخفاقنا أو مشاكلنا درجة نرتقيها لنصل إلى أعلى السُلّم. الأمريكي توماس أديسون أخفق ألف مرة وهو يحاول اختراع المصباح الكهربائي، لكنه ظل متفائلاً وواثقاً من أنه سينجح، وبالفعل بعد المحاولات والتجارب اخترع المصباح والذي لازال محط احتياج البشرية حتى الآن. فالتفاؤل يدفع الإنسان إلى تخطي الإخفاق والفشل، ويدفعه أيضاً للتغلب على المصاعب القادمة. بينما التشاؤم يزج به في أتون الفشل ويبقى يدور معه حيثما دار.

تحفل آيات القرآن الكريم والروايات الشريفة بالكثير من التفاؤل والأمل الذي تحيا به النفوس وتحتاجه، خاصة في مواجهة الصعوبات ولحظات اليأس. ومن أوضح الآيات قوله جلّ شأنه: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [1] . وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [2] . كما روي عن النبي ﷺ: ”تفاءلوا بالخير تجدوه“ [3] .

وكما أمر الإسلام بالتفاؤل فقد نهى عن التشاؤم، لأن لكليهما تأثير نفسي على حالة الإنسان وحياته. قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ [4] . ومعنى التطير هنا التشاؤم. وورد عن أبي عبد الله أنه قال: ”الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا“ [5] . فحري بنا أن نغيّر نظرة التشاؤم الى نظرة التفاؤل والأمل حتى ننعم بحياتنا.

إن التشاؤم مثبّط للعزيمة وطريق للفشل، ويجعلك سلبي التفكير وتعيس، ومتردد وشكاك، فتعيش حياة غير مستقرة، وفي ضيق وكدر دائمين، بل وخائف من كل شيء. ومع الأيام سيقيّدك هذا السلوك، وستشعر بأن الحياة انتهت، فلا حاضر لك ولا مستقبل.

أما التفاؤل فهو محفز للعمل، ومعزز للثقة بالنفس، وهو طريق النجاح. بالتفاؤل نتغلب على ظروف الحياة ونستمر في العطاء، ونحقق السعادة والطمأنينة التي ننشدها، وبالتالي نعيش اتزاناً جسدياً ونفسياً.

والآن.. لو خيّرت بين أن تكون حسن أو أحمد أو أن تكون حسين، فمن تختار؟ لا تقل أن الوقت قد فات ولا يمكن أن أعدّل سلوكي ونظرتي للحياة، أن أكون حسناً بدلاً عن حسين. يمكنك ذلك، فقط اعزم وتوكل، واجعل قول الإمام علي بن أبي طالب : ”من توكل على الله ذلت له الصعاب وتسهّلت عليه الأسباب“ [6]  أمامك، وستشعر بالفارق، وبحب الناس إليك بعد أن كانوا يبتعدون عنك لأنك متشائم، ولأنهم يخافون انتقال عدوى التشاؤم منك إليهم.

احسِنْ ظنك بالله وكن متفائلاً ومبتسماً. اشحن بطاريتك بالتفاؤل كلما أحسست أنك بحاجة لذلك، حينها ستحيا سعيداً مطمئناً واثقاً بأن القادم أجمل.

[1]  سورة الزمر: آية 53.
[2] سورة الطلاق: آية 3.
[3]  تفسير الميزان للطباطبائي.
[4] سورة يس: آية 18 - 19.
[5] الكافي للكليني.
[6] غرر الحكم ودرر الكلم: ص197.
كاتب وروائي