آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافتنا البصرية محطّ تأمل

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

الأدوات التقليدية التي كان يوظفها التعليم التقليدي لدينا، وتنشره وسائل الترابط الاجتماعي، أو تؤسسه منابر الوعظ الإرشادي، هي في غالبها مما يحمل نمطاً تبدو فيه نواتج ثقافتنا، ونواتج ما أسسته الأطر والأدوات ذات القدرة السماعية في غالبها، وإن خالفها النزر اليسير سابقاً.

إن نقوش الطين على بعض مقاطع جذع النخلة، أو الألواح الحجرية كانت تحمل رسوم حروف الهجاء التي يتلقاها الملتحق بالتعليم الشعبي قديماً، قبل دخول مدارس التعليم الحديث، التي باتت مرحلة تاريخية متوسطة بين التعليم الشعبي والتعليم الأكثر حداثة، الذي تبرز فيه المخرجات التقنية على أوسع مداها، وتتطور الأدوات باعتبار التطور في مجال الرؤية في صناعة ثقافة تحمل سمات الثقافة البصرية، بعد أن كانت الثقافة في جلها سماعية.

الآن وبعد دخول عصر الرقمية أو الرقمنة البصرية التي صار فيها أبسط جهاز هاتف نقال يحمل على الأقل كاميرا رقمية واحدة، فضلاً عن باقي الأجهزة اللوحية والكاميرات التي ربما تنتقل في أقلامنا وربما قريباً نلبسها كحلي في أناملنا، وليس مبالغة عندما بدأت كاميرا الفيديو ال «هاندي كام» التي تسجل على الوسائط الممغنطة، بعد فترة الكاميرا الأكبر والأكثر كلفة، والتي لم يكن يستطيع الجميع اقتناءها آنذاك، فإن كثيرين كانوا يشعرون بالدهشة، لأن هناك وسيلة توثيق بصري صارت تملأ أماكن وجودنا بشكل لم يكن مسبوقاً من قبل.

ثمّ ما لبث مع اقتراب دخولنا الألفية الثالثة، وإذا بالقادم من الغرب وهو «الإنترنت»، يبدأ بوسائل في أبسط تقنياتها، وأبطأ سرعاتها، وأكثر تكاليفها، وتبدأ صدمة أكثر من تلك التي أعقبت الهاندي كام، كما هو حال الصدمات الثقافية أو الحضارية، إذ كان لظهور الكاميرا الفوتوغرافية التقليدية بين الأجيال السابقة والذين لا يزال بيننا كثير من الآباء ممن عاصروا تلك المرحلة بدخول وسيلة ترتبط بالثقافة البصرية والتأثير عليها كلما تصاعد الكم والكيف، وتزايد الحافز من جهة المنفعة أو الفضول كما هو معتاد لدى الإنسان عموماً. وكانت الصدمة في «النيو - ميلينيوم» هو ظهور الكاميرا الرقمية، التي توسعت لتكون ضمن استعمالات أشهر برامج «التشات» والتواصل الصوتي والبصري في حينه.

وهنا بوقفة تأمل نجد أن هناك تشكلات جديدة طرأت على الراهن الثقافي من جهة ثقافتنا البصرية، وخروجها الواسع عن إسار القيد السماعي الذي كان وحيداً، مع ما كان لشاشة التلفاز من تأثير كبير على هذا الجانب، ولكن لم يكن للتلفاز من جهة القدرة على التنقل بالجهاز وغيرها من عوامل أن تصنع الفارق الذي لعبت في صناعته الحالة الرقمية الحديثة عبر ثورة أعقبت ثورة الكمبيوتر أو الحاسوب أو الحاسب الآلي، إلى ثورة الاتصالات عبر رزم من بروتوكولات الاتصالات، وانتشار واسع وتطور هائل في صناعة وسائط التخزين التي كانت بالكيلوبايت فانتقلت إلى الميجا بايت وظهر الجيجا والتيرا، والقادم أوسع وأسرع لدى عالم صارت الحدود الجغرافية غير مجدية في تنظيم توافد الأطنان من السلع الافتراضية أو الحقيقية.

والسؤال، ما مدى التأثير على انتقالنا من سيطرة واسعة للثقافة السمعية إلى مرحلة تبدو وسائل الثقافة البصرية وتقنياتها في مخاضات كأنها باتت توظف معالم «الجينوم التقني»، وتسعى في فك شيفرات جديدة من هذا العالم الكبير؟.

ولقيمة أكثر قوة في مفردات الثقافة البصرية، فإن هذا الشأن يحتاج إلى مزيد من المشاريع التي تعمل على الاشتغال بالنقد والثقافة البصرية في جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية، والعمل على إعداد جيل من المتخصصين عبر برامج الابتعاث الجامعي في بلادنا.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.