آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدّالوة.. الشّاهدةُ والشّهيدة

ليالي الفرج * صحيفة الشرق
اقرأ أيضاً

لم يكن صداح المنشد الشهيد محمد البصراوي، ذي ال 16 ربيعاً، في مجلس المصطفى في بلدة الدّالوة بمحافظة الأحساء حينما راح يكرر في مرثيةمقطعاً تضمن عبارة: «أظن الگوم تترقّب قتلنا»، في مقطوعة شعرية، سوى أحد إسقاطات هذا المعنى على الواقع الذي راحت يد الإرهاب الآثمة وأشباح التكفير والضلال تحاول أن تضرب مقدّرات الوطن، عبر جراثيم الإنسانية، والروح التي تغذّيها المشاعر العدوانية للإنسان وللدّين الإسلامي وللقيم الفاضلة، وكل هذه الأوبئة والبؤر والخلايا العفنة ليست إلا نتاجاً طبيعياً لمزارع ومصانع ومدارس لذوات غير أخلاقية، ونفوس يأتي في مقدّمة أولوياتها تصنيع الكراهية.

بينما تسطع روح الحب والتضحية للوطن وأبنائه حينما نقرأ في آخر تغريدة لشهيد الواجب العريف تركي الرشيد حينما يقول: «ما عطفت إلا على ناسي الصلاة/ وما حسدت بدنيتي إلا الشهيد / ما أبي من هالحياة إلا النجاة/ وما أبي إلا العفو يوم الوعيد»، وكم يمكن أن نجد من المعاني الجوهرية ضمن هذا المكتنز الأخلاقي لروح تطلب الشهادة لأجل سلامة وحماية الوطن وأبنائه.

واتفق الجميع من مفكرين وعلماء وسياسيين ومثقفين وكتاب، على الأنموذج الناجح والتعاطي الحكيم من الجميع مع هذه الفاجعة التي كانت تحمل أهداف الفتنة الطائفية، وتسعى لنشر مفاهيم الاحتراب الداخلي وضرب الوحدة الوطنية والانقضاض على كل ما يميز النسيج الوطني، ويفتت مفردات التعايش.

والسؤال الذي يلحّ هنا، وماذا بعد؟

وفي الواقع حينما نتأمل في تحليل المشهد الوطني نجد حجم التفاعل والحراك الإعلامي والفكري والثقافي والاجتماعي، الذي أعقب هذا الحدث الذي اعتبره الجميع منعطفاً خطيراً لما يمكن أن يُقرأ فيه من خطط وأهداف، يتابع الجميع نتائج ما تكشف عنه الجهات المسؤولة من هذه الخطط وكذلك الأهداف التي استفرغت فيها خلايا قادمة من الخارج مع تلك النائمة في الداخل جهوداً يبدو من الأعداد والمناطق والمدن التي يكشف عنها أنها تحمل مشروعاً يجب ضربه واقتلاع جذوره الإرهابية.

ويبدو أن الحلول الوقتية غير مجدية مع هذه الغدد السرطانية التي بات خطرها ماثلاً أمام الجميع، مما يستدعي استئصالاً لخطرها الكبير. فقنوات الفتنة لا يمكن أن تنتج سوى الحرائق التي يتكسب من ورائها أصحاب مشاريع الفتن، ويطالب الجميع بإيقاف هذه القنوات التي بان شرّها على بلادنا.

وفي نفس الوقت بات ضرورة وجود رؤية سياسية وإصدار قانون يُعترف من خلاله بكل المكونات الوطنية ويعمل على ترسيخ روح الوحدة الوطنية عبر تأكيد أجواء الألفة والتعايش الكريم، والدعوة للتواصل الوطني بإطلاق مشاريع في هذا الاتجاه، وتعزيز الثقة المتبادلة بين المكونات الوطنية. وتصحيح ومعالجة مناهجنا التعليمية وهذا ما أشار له الغالبية ممن عايشوا هذا الحدث الأليم وأشباهه، ونادوا بضرورة صياغة ثوابت لا يمكن المساس بها أو تجاوزها، مما يُعنى بنشر الوسطية والاعتدال ونشر ثقافة التسامح بدلاً عن ضخ مفردات الكراهية ودروس الإقصاء للآخر في الوطن، كما يمنع من كل ما فيه تمييز وتصنيف سلبي.

رحم الله شهداء الدّالوة الشاهدة على عظم خطر الإرهاب الذي استهدف الوطن وأبناءه، وهي الشهيدة على أرض تعشق الوطن، فعشقها الجميع، ورحم الله شهداء الواجب.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.