آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

القيم الاجتماعية في كأس الخليج لكرة القدم

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

يعيش ويتابع كثيرون هذه الأيام فعاليات دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم، التي تستضيفها العاصمة الرياض في نسختها 22، بعد انطلاقتها الأولى في 1970 في المنامة بالبحرين. وكما هو صدى لعبة كرة القدم في العالم من حيث الجماهيرية والمتابعة، فإنّ هذه البطولة استطاعت أن تنقش اسمها في صفحات الذاكرة الشعبية الخليجية، ضمن وجوه التأثير الاجتماعي للرياضة عامة، ولكرة القدم خاصة، ولا سيما أنه لم يكن هناك من قبل أي تجمع رياضي بهذا الحجم بين الأشقاء في منطقة الخليج.

وإجمالاً، فإن تعميق المشترك الأخوي والإنساني، وإثراء ثقافة المنافسة الشريفة، وإبراز معالم الروح الرياضية، وصناعة أطر اللقاء الشبابي، وامتلاك منظومة إعلامية فاعلة، وأخذ زمام المبادرة لإبراز اسم دول الخليج العربي في المجتمع الرياضي والعالم، هي وجوه تتجلى في كثير من الأهداف التي حملتها رسالة هذا المنشط الرياضي، الذي انطبع في سعفات النخيل، وتماوج في دفء مياه الخليج، كما تحوّل إلى برنامج معروف في خارطة العالم الرياضي.

ولا جدال في أن ثمة تأثيرات إيجابية واسعة صارت تتسيد أبعاد المشهد حينما نقرأ واقع هذا اللقاء الشبابي الخليجي، لكن هناك مكتسباً ضمنياً قد لايبدو واضحاً لدى كثيرين، وهو ما يتعلق بأثر صناعة وتنمية القيم الاجتماعية، واستثمار هذا الملتقى الرياضي في إذكاء الأفق الإنساني، لينعكس إنسانياً وثقافياً واقتصادياً على المنطقة.

الدورة تختم فعالياتها يوم غد، وحتماً كل منتخب يتمنى له مشجعوه الفوز، لكنه من المهم أن نحوّل فوز المنتخب البطل إلى فوز للجميع، ضمن معادلة توسع مفهوم المكتسب الجزئي وتحوله إلى قيمة اجتماعية كلية ضمن معنى مكتسباتنا.

في عصرنا الحديث، بدأت الأبعاد الاجتماعية والثقافية للرياضة تتضح، وأصبح من الصعب تجاهل المغزى الاجتماعي لهذا النشاط الإنساني البارز، ولذلك نشأ مؤخراً ما يعرف بعلم اجتماع الرياضة، وهذا ما أتاح للعلوم الإنسانية إسهاماً في الجوانب الرياضية، كما بقية علوم الفيزياء والميكانيكا والحركة.

وكما يشير البحث في هذا المجال، فإن الإطار الاجتماعي للرياضة هو القادر على أن يقابل بين الرياضة كقيم وسمات اجتماعية وبين اتجاهات المجتمع وأمنياته. وفي تناول بعض الكتب القديمة لظاهرة الرياضة من منظور اجتماعي، حينما تُرجع البدايات الأولى للاهتمام بدراسة اجتماعيات الرياضة كظاهرة اجتماعية إلى أفلاطون أو ما جاء به الشاعر الألماني شيلر في نظرية اللعب، مؤشر على إدراك ما في الرياضة من قيم اجتماعية قابلة للتنمية والتطوير، مما يعزز إدراك المعاني الاجتماعية الضمنية في مفهوم الرياضة، ويصحح تغييب هذه الأبعاد في النتاج الإنساني المختص بالعلوم الاجتماعية، كما حصل مع الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية، حينما غيّبت مواضيع المنافسات الرياضية والألعاب والترويح، بينما راحت وراء بعض الهوامش التي لا ترتقي في الأهمية الاجتماعية إلى ما في مفهوم الرياضة من قيم.

ولعلّ تطوير مجالات البحث والدراسة في هذا المجال صار من الأولويات حالياً، وهذا يحتاج إلى رؤية تشجع أساتذة الجامعات لدينا في مجالات التربية البدنية وعلوم الاجتماع لإثراء هذه المفاهيم عبر المنابر الإعلامية العامة، فضلاً عن طرح الأوراق العلمية في المؤتمرات المهتمة بشؤون البحث العلمي.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.