آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التعارض والتوازن في «العلاقة الزّوجيّة» و«التّربية» - «5»

السيد أمين السعيدي *

اُسس التَّوازنِ بيْن «العلاقة الزّوجيّة» و«التربية»

لتَكون «العلاقة الزّوجيّة» متوازنة مع «التّربية»؛ يَلْزَم أن لا ينعكس الاختلاف بين الزّوجين في المعتقدات أو وجهات النّظر على أعضاء الأسرة، خصوصاً عندما يكون الزّوجان من مذهبين مختلِفَين، فالأولاد يمكن تقديم «المادّة الفكرية والعَقَديَّة» لهم بصورة عقلانيّة، وذلك عندما تكون تصرّفات الزّوجين أقرب لمبدأ «الدِّيمقراطيَّة» في خصوص هذه المسألة.

نعم؛ على الزّوجة الصّالحة والمؤمنة، المسَلِّمة للمعتقَد، والمحترِمة لمبادئها ولحكمة الله تعالى وعلمه وخبرويَّته سبحانه في الوجود والمحترِمة لقَدْر زوجها والباحثة عن استقامة أبنائها وسعادتهم، عليها أن تعي «معايير ولاية الأمر»، وأن تتراخى لمركز القيادة الذي هو - شرعاً وعرفاً - ولي الأمر، كما ينبغي لولي الأمر أن يَتحرَّى اللِّيونة ويمارِس سلوكاً مطّاطيّاً في استيعاب الرأي المقابِل؛ فالزّوجة وإن كانت بالنّسبة له شريكاً يمثِّل الطّرف الآخر من ثُنائيِّهما، إلا أنّها بالنّسبة للأولاد ليست كذلك، فهي بالنّسبة لهم أُمٌّ؛ لذا يَلْزَم على ولي الأمر أن لا يغيب عنه هذا المسمَّى الإنساني وواقعه، وأن لا يَجحد مشاعر الأمومة لدى شريكته، وأن لا يَبتئِس من وجهات النّظر المغايِرة.

حَل تعارض الآراء بين الزوجين في «الأمور الحياتية» و«التربية»

ومِن خلال التّوازن بين «العلاقة الزّوجيّة» و«تربية الأبناء»، وعدم انعكاس «الاختلاف بين الزّوجين» على أبنائهما، ومن خلال تقديم «آرائهما» لهم بصورة أقرب للدّيمقراطيّة، وتَفَهُّم الزّوجة ل «معايير ولاية الأمر الّتي هي واجبُ وتكليفُ ربِّ الأسرة»، و«احترامها لحكمة الله تعالى ومعتقَداتها الدِّينيّة التّنظيميّة»، و«ليونة الزّوج ومرونته ورياضيته في تقَبُّل الرأي الآخر»، فمن خلال مجموع هذه الأمور نعي «منهجيّة علاج حالات التّعارض التّام في الرّأي بين الشّريكين الزّوجيَّين»؛ بمعنى أنّه عندما يكون لكلِّ منهما في مسألة معيَّنة - كمسألة التّربية مثلاً - رأيٌ بخلاف رأي الآخر، ولم يمكن الجمع بين رأييهما بوجهٍ من الوجوه في تلك المسألة المعيَّنة؛ ففي هذا المَورِد - عقلاً وشرعاً - يكون رأي «ولي الأمر» هو المقدَّم، شريطة أن يكون معتدلاً وأكثر خبرة وصالحاً لإدارة الرّأي؛ لذا كان «ولي الأمر» هو الّذي يَتحمَّل الجزء الأكبر مِن تَبِعات ونتائج الأخطاء ضِمن إطار الأسرة مالياً واحترازياً وسمعة ومواجَهة المجتمَع...

هذا طبعاً بالنّسبة لحالات الاختلاف الطّبيعيّة في «الأمور الحياتيّة»؛ أمّا في «العقيدة» فدَوْرُ الأب والأم يقتصر على الإرشاد والتّوجيه، وما عدا ذلك يُترك المجال فيه للأبناء، ليمارِسوا دورهم في البحث عن قناعاتهم العَقَديّة، فالعقل والدِّين - في الجملة - استَقبَحا التّلقين، وما مقولته الشّهيرة:

«ما مِن مولود إلا يوْلَد على الفِطرة، فأبوها يُهَوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمَجِّسانه كما تُنْتِجُ البهيمةُ بهيمةً»، فما هذه المقولة الشّهيرة إلا تعبير آخر عن رفْض الدِّين الحنيف للتّلقين العَقَدي تجاه الأبناء، فالعبد عند بلوغه سن التّكليف يكون مسؤولاً عن البحث والتّحرّي في هذا المجال، ودور الأبوين تجاهه في ذلك دورُ التّوجيه والإرشاد والمناقشة الفكريّة المتوازنة، إلا في بعض الموارد الّتي تَتطلَّب «التّأديب»، وهذه الموارد التّأديبيّة لها قوانين شرعيَّة بحْثُها آخر يأتي في مَحلّه إن شاء الله تعالى.

نهايةً: لا يغِبْ عنّا أنَّ مَن يستفيد مِن آراء الآخرين يَكون قد جَمع مع عقله عقلَ غيْرِه، فقد ورد في الخَبر الشريف: «مَن قَلَّبَ وُجُوهَ الآراء عَرِفَ مَواقع الخَطَاء“مَواقع الخطأ”» [خطبة الوسيلة]؛ فإنّ تقليب وجوه الآراء كما يحصل بالعقل الواحد كذلك يحصل بالاستعانة بالعقول والطّبائع الأخرى؛ فالإصغاء لوجهات نظر الشّركاء في الأسرة يثْري ولي الأمر، ويبرز له الخيارات، ويَكشف أمامه الرّؤية الواضحة، ويمَكِّنه من اتّخاذ الرّأي النّاجح في أسرته السّعيدة المُحْتَفِية بتربيةٍ ناضجة وباْلتقاءٍ روحيٍّ عمليٍّ مرْضي؛ هكذا تكون الرِّيادة بين الشّريكين النّاجِحَين.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com