آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين فرضيتين: التمثيل ب «الحاكم» وب «النبي»

السيد أمين السعيدي *

تداعى إلى أسماع المؤمنين ما جرى مِن تطاولٍ جديدٍ ومشين، على شخص أعظم رجل عرفه تاريخ البشرية، بل وتاريخ الملائكة، ولن يعرف أعظم منه، وقد ازدادت التعديات؛ والعلة في ذلك سكوت الحكام الذين استلموا زمام أمور الناس والشعوب وقضاياهم، على أنهم يمثلون شعوبهم ويحامون عن مقدَّراتهم.

اليوم؛ مع هذا السيد المفدَّى الأعظم، وغداً سوف يسحقون ما تبقى كما سحقوا مقدَّراتِ المسيح، ومن ثم سيسحقون الكعبة كما سحقوا المسجد الأقصى وكما سحقها أَبْرَهة وأصحابُ الفيل.

وأنا؛ المواطن، البسيط، الذي لا أفهم في السياسة شيئاً، لدي تساؤلاتٌ بريئة أود العثور على جوابٍ واضحٍ وصادقٍ لها؛ ملخصها فرضية، ولنعتبرها بعقولنا المسكينة فرضية مستحيلة، لا يهم، ففرْضُ المحال ليس بمحال:

مفاد الفرضية

ماذا لو كان الاعتداء الحاصل على شخص نبينا الأعظم قد وقع على شخصِ حاكمٍ من حكام المسلمين؟

فهل يا ترى سيتوقف البترول مثلاً؟

هل ستُدفع الأموال الطائلة لإيقاف ذلك؟

هل ستجيش الجيوش وتُدَس الجواسيس تحت الكواليس، ويعمى جفن العيون عن المنام؟

وهل سيتم مثلاً إلغاء القواعد واستبدالها بقواعد أخرى؟

ولنفترض فرضية بريئة أخرى مماثِلة؛ لكنها أقلاً تمتاز عن سابقتها بشقَّين؛ أحدهما أنها لدى عقولنا المسكينة غير مفترَضة الاستحالة؛ باعتبارها وقعت على الساحة كثيراً:

مفاد الفرضية

ماذا لو قام شعب من الناس، أو مجموعة من مواطني أيِّ بلدٍ من البلدان الإسلامية، وتحرَّش فقط بصورة حاكم من حكام البلدان الإسلامية؛ فما الذي سيحصل؟

طبعاً هنا الإجراءات ستختلف؛ وهذه من امتيازات هذه الفرضية، وقد مضى الشق الأول أعلاه، وهذه الشق الثاني؛ فالأمر هنا لن يتعلق لا بقطع البترول، ولا بإلغاء القواعد واستبدالها؛ إذ لا موضوعية لهما.

إنني؛ كمواطن بريء، يحق لي أن أفكِّر بعقلي الصغير وأتساءل حالماً وأَفترِض بمَحافِلِ قوى الوهم والخيال والمتصرِّفة.

وإنني؛ كمسؤولٍ جاري الشرعية عند الله تعالى يجب عليَّ إسداء النصيحة لأولياء الأمر؛ أناشد بأن نجد غيرة حقيقية على عرض رسولنا العظيم، واحترام مشاعر المؤمنين، وأن يكون التمثيل للشعوب المسلمة تمثيل مسؤولية؛ فقيادة الناس حقيقتها الأداء والعمل، وليست بمناصب تشريفية.

أفما آن لحضرة البترول أن ينطق بكلمة ولو مرة واحدة في حياته قبل انتهاء صلاحيته، ونرى له إجراءات قوية رادعة تفوق حروب القتال؟ إجراءات كتلك البترولية العظمى السريعة التي شاهدها الجميع قبل بضع ساعات ورَجَّتِ الأرضَ رَجّا وبسَّتِ العالَمَ بَسَّا؟

بودي قبل الرحيل أن أَسمع بأنّ حضرة البترول المسلم قطَعَ نبضه لشهرٍ واحد، وقال: لا لإهانة نبي الإسلام وشعوبي المسلمة.

فكم سيكون حينها البترول شريفاً؟ وكم سيرتبط اسمه باسم رسول الله إلى آخر دهر الدنيا والآخرة؟

كم سيكون نطق كلمة «بترول» مذكِّرة لجميع العالم برسول الإسلام للأبد؟

وسيكون ذلك من أوائل براعات العرب وإنجازات المسلمين ما بعد مرحلة الركود والبوار.

ربما هي أحلام الصغار، ولكن ليس من المحال أن نحلم، أو تضطر الشعوب الصادقة لتحقيق أحلامها على ساحة اليقظة ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ.

ولا يخفى على نفسي المذْنِبة فرضية ثالثة تضع الذات في المحك؛ فماذا لو كان الحاصل - بنوعه وغايته - وقع بشخصي الأحقر؛ فما مدى الغيرة التي ستجتاحني على ذاتي؟

قال تعالى على لسان نبيه الخاتم:

﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[المجادلة: 22].

ثم أَمَرَ سبحانه نبيَّه أن يَتوعَّد المسلمين باسم الله تعالى، فقال:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[التوبة: 24].

هاتان للقرآنيين، والتالي للذين بقوا أوفياء لأحاديث النبي وأئمة الهدى عليه وعليهم الصلاة والسلام:

روى الإمام أحمد في حديثٍ يعرفه الكثيرون - ولله الحمد - عن زهرة بن معبد عن جده، قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: واللّه يا رسول اللّه لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه»، فقال عمر: فأنت الآن واللّه أحب إليّ من نفسي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «الآن يا عمر» [أخرجه البخاري وتفرَّد بتخريجه].

وقد ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» وعن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول:

«إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط اللّه عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [رواه الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له عن ابن عمر مرفوعاً]؛ وهو من الثابت الصحيح عند جميع المسلمين والحمد لله، وقد نصَّ على ثبوته وصحته علماء إخواننا، ولا كلام فيه بعد موافقته صريحاً لصريح كتاب الله.

إخواني! إنّ الدفاع عن رسول الله ليس واجب العلماء وحدهم، بل هو واجب مشترك، موجَّه للحكام قبل العلماء، كما أنّه أيضاً واجبٌ على جميع الشعوب المسلمة وكل فرد بنصِّ القرآن الكريم والنصوص الشريفة القطعية المتواترة، بل بنصِّ العقلين «النظري» منهما و«العملي».

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com