آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:31 م

سيدي عبدك الجاهل يعتذر

ياسين آل خليل

أعطيتني فرصة أن أدعوك وأتقرب إليك وأنت تعلم كيف أني تجرأت وأخطأت. فتحت لي باباً من التوبة يسع الكون إلا أنني كنت أعمى البصر والبصيرة. تهت مع التائهين فضاقت بي الدنيا وأنكلتني بكربها فانهالت عليّ الهموم وأكدارها. لم أكن ذلك الموهوب بفنون التقرب إليك فزاد ذلك من تقصيري وغرقي في بحر ذنوبي. نعم أنا ذلك العبد الذي يقف بين يديك راكعا وساجدا، لكن ذلك لم يوصلني الى ما كنت أرنو إليه من طمأنينة ترخص هذه الدنيا في عيني حتى لا أرى فيها مايشغلني عنك، فعصفت بي الدنيا فلم أعد أبصر طريق الموحدين.

كنت أناديك فتجيبني إلا أن ذلك لم يطرق ناقوس الخطر بداخلي. كنت معتقداً كغيري أنك غافر الذنب الكبير فتماديت في معصيتك. كنت أعلم في قرارة ذاتي أن بابك مفتوح تستقبل الكثير من التائهين والمقصرين لتحقق لهم الإجابة بالهداية بما فيهم أولئك الذين قنطوا من رحمتك. إلا أن ذلك لم يوصلني إلى منتهى التقرب إليك. إلهي أنت أعلم بضعفي وقلة حيلتي وتفرد الشيطان بي، وأنت أقرب إلي من حبل الوريد تعرف كم أني سمعت للشيطان فأغواني وأثقل كاهلي، فعدت لا أطيق نفسي. أهرب منها لألتحق بجوارك فيسبقني الشيطان ليأخذني إلى دهاليزه المظلمة بعيداً عنك. كرهت هذه الدنيا وما تحويه من مغريات لأني عرفت أنها حطام في حطام.

سيدي كم سخرت من كل المعارف ومنابر العلم التي لم تهدني إليك لأكون ذلك العابد العارف الذي يدنو منك دنو الخائفين؛ لكنها مشيَّتك فلو شئت لهديت الناس أجمعين. لكنك أمرت فاختبرت ونهيت فابتليت وتأنيت فرحمت. فلك الحمد حمداً يوصلني إلى معرفتك ومغفرتك. ولك الشكر شكرًا ينقذني من لهيب نيرانك.

ولأني أيقنت أن لي عدواً يلازمني ونفساً أمارة بالسوء تسكنني، أخذت على نفسي عهداً بأني سأدخل حرباً ضروساً مع خصوم يمتهنون الإغواء ويحترفون تزيين القبيح، غافلين وغير مبالين لما تؤول إليه نهايتهم، شيطان يوسوس ليل نهار ونفس تحبب لي الدنيا وزخرفها. حرب بدأت منذ سنين ولا تكاد تهدأ أو تستكين.

ما حققته من إنتصارات على خصوم السوء فبتقديرك وقدرتك. وما نجوت منه ونفذت فبتوفيقك لعبدك الضعيف ورأفتك. أما ماارتكبته من زلل في حقك سيدي وفي حق نفسي فطوفان يهدد أمني واستقراري بدنياي وإنذار مبكر يوقظ إحساسي إلى أليم عقابك في آخرتي. فأنا ذلك العبد الذي لا يمتلك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أقف اليوم بين يديك معتذراً ملتمساً غفرانك وإحسانك فلا تردني خائبا. هون عليّ مصائبي ونجني من نفسي ومن شيطان يتعرض لي ويدفعني لمزيد من التيه بعيدا عن قربك ومواطن الصالحين. فبعزتك وجلالك ما أن نصرتني على نفسي وعدو يلازمني لأكونن لك من المخلصين. بتوفيقك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
سلام القطيف
[ القطيف المسالمة ]: 18 / 1 / 2015م - 10:29 ص
جميل هذا المقال كما هي مقالاتك الأخري أخي ياسين, فبحق فد أبجرت فيه وبمهارة فائفة عبر محطات استثنائية من دعاء مولى الموحدين (صلوات الله وسلامه عليه) محطات ودروس توجه النفس الانساتية الى بوصلة الحق وتثير فيه روح المحاسبة واللوم المستمرين بغية الارتقاء به في بدايات سلم الكمال, نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد, وأن يرعى الله خطاك والمداد, انه سميع وقريب ومجيب.
2
قارئ جهينة
[ القطيف ]: 19 / 1 / 2015م - 12:44 ص
سلمت يداك أستاذ ياسين على هذه القطعة الفنية الرائعة، حاجتنا ماسة الى هذا النوع من المقالات التي تحيي القلوب بعد موتها. جزاك الله خيرا وسدد خطاك وشرح صدرك لمزيد من هذا العطاء الذي يحثنا على الشفافية مع أنفسنا لحثها على التغيير.