آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين مكارثية ثقافية وتسلط كنسي

أبرزت استضافة شاعر أحسائي في مسجد، له اطروحات مسّت بعض الثوابت والمسلمات للشيعة، مساحة خلافات أكبر وأشد مما أحدثته «جريمة إرهابية» تمثل منعطفا نوعيا خطيرا في تاريخ الأحساء الحديث، مما يكشف خللا وهشاشة وتناقضا في المساحة الوجدانية للمجتمع…!

فالجميع بحاجة لمعرفة خريطة ودوائر الأزمات المتداخلة في بين الاجتماعي والديني، لفهم ما يحدث من جدل في هذه الحاضرة التاريخية ذات المذاهب المتعددة ومنها المذهب الإمامي الجعفري الذي يشكل المنتمون له أكثر من نصف سكانها، وهو مجتمع عريق في تدينه وفي محافظته، خاضع لمنظومة دينية تقليدية أصولية ذات اتجاهات مختلفة، وإخبارية.

وربما لا يتفق الجميع بشكل تام فيما بينهم حول حراكهم الاجتماعي العام، ولا تخلو هذه المنظومة من حراك ثقافي متصل بالجسم الاجتماعي العام في وطنها، كما أن لها علاقة واسعة واتصالا بالحراك العام في الساحة الاقليمية والاسلامية العامة، دون أن يصطدم، أغلب متبنيه، بأسس تلك المنظومة الأم وثوابتها العقدية التي ينتمي لها.

ولكن الفترة الأخيرة شهدت بروز أحداث وخلافات وتجاذبات تمثل انعطافة كبيرة في تاريخ الأحساء الاجتماعي، كان أبرزها «الجريمة الإرهابية في الدالوة» بما حملته من معطيات مؤشرات وتداعيات، بدءاً من الاستهداف وانتهاءا بالتشييع الذي أظهر وكشف تنافراً في البنية الفكرية لتلك المنظومة حول رؤيتها للمسيرة الاجتماعية..!

وهذا ما يدعونا للتعرف على هذه الخريطة «الاعتبارية» بشكل مكثف لمعرفة بعض الدقائق التفصيلية لما يحدث، لإن هذا الخلاف سابق لتلك الاستضافة، مما يؤكد أن ما ظهر بعدها لم يكن إلاّ امتدادا لما سبقها.

هناك تيارٌ «ديني تجديدي» يبحث عن تجديد الواقع وتطويره، بعيدا عن الجمود والتخلف والاستغلال الناجم عن سيطرة «بعض» رجال الدين على مفاصل المجتمع، كما يرى أن الاستفادة من الخطاب الثقافي عاملا مهما وأحد الأدوات الموثرة لهذا الغرض، باعتبار أن تجديد الخطاب الديني أفضل السبل لتجاوز العديد من الأزمات.

وهذا يعني تلاقي هذا التيار وتقاطعه مع تيار «ثقافي» متديّن، ولكن ينضوى في خيمته الثقافية «متلبسون» بالتنوير والثقافة، همهم الرئيس ضرب الدين والتشكيك بثوابته، فهم بذلك يمثلون «مكارثية فكرية» ولكن تجاه الدين وكل ما يتصل به.

كما يوجد تيار ديني «تقليدي محافظ» يرى في خطوات ذلك التيار «بشقّيه» ما يمثل تجاوزات تشكل تهديدا لسلامة المجتمع وسعيا لتشكيكه في عقيدته وثوابته، فاتخذ مواقفا متصلبة لمواجهته، وقد تلاقى في ذلك مع «بعض» رجال الدين المتنفذين الذين رأوا في استقلالية رجال الدين «التجديدين» خروجاً عن نفوذهم، فتموضعوا لمواجهتهم، لحماية نفوذهم وتسلّطهم الاجتماعي باسم الدين، ومارسوا تسقيطهم، فهم بذلك مثّلوا «تسلّطا كنسيا» جديدا.

سيبقى - حسب رأيي القاصر - وسيستمر الصراع بين هذه «المكارثية الفكرية» وبين هذا «التسلط الكنسي»، ما دام تقاطع المصالح بين تلك التيارات قائما ومتلازما، وسيكون ذلك واقعا مريرا، إن لم يتم التفكيك الواضح على أرض الواقع بينها، وسيكون ذلك ذريعة ووسيلة وغطاءا كسلاح مرفوع بين السيئين منهم، وهم في حصانة الطيبين، والأخطر أن يجد الاتباع أنفسهم جنودا مخلصين في جبهات تصفية حسابات لا علاقة لهم بها، وادوات تنفيذية فقط، لا يملكون في هذا الصراع قرارا.

فهل سنشهد هذا التفكيك قريبا، أم سنجد أنفسنا يوما جنودا لأحدهما..؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 21 / 1 / 2015م - 2:31 م
!!؟