آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 7:02 ص

الدول الشريرة، قراءة في التخطيط السياسي

السيد أمين السعيدي *

صحيحٌ أنّ قوى الشر تخطِّط للمستقبل السياسي والوضع القائم في دول العالم، سيّما دول الشرق المهزومة كلياً من حيث البناء العام والتدبير المرحلي والمركزي، لكن من الخطأ الإيمان بالمقولة الشائعة على ألسنة الناس والساسة والصحفيين والإعلاميين التي تنص على أنّ القوى الغربية تخطِّط سياسياً للبعيد وتُنتِج استراتيجيات مدبَّرة على أساسها يحصل الانهيار والانهزام الشرقي، بالصورة التي تتحكم فيها بما نراه من مُجريات، وفق رؤية أنّ تدبيرها يسير كخارطة معلومة لديها ومجهولة لدينا، لا نعرفها إلا حينما يحين دورها بالبروز للواقع ونراها تحف بنا.

فهذه المقولة تحليلياً بالظرف والطبيعة الوجودية ليست من الصحة بمكان؛ فمما لا ريب فيه أنّ الدول الشريرة تسعى جاهدة لذلك، وتضع المؤسسات المختصة الظاهرة والخافية، لكنها بدلالة ما نَرى ليست بالدرجة الذكية التي يتم تصويرها بها، خصوصاً عندما نأخذ معايير التقادير الكونية بِحاقِّ الاعتبار. غير أنّ الامتياز الذي تتحلى به على هذا المستوى ويَلزم أن نعترِف ونشهد به هو قدرتها الفائقة على توظيف الأحداث.

وبعبارة أخرى: إنَّ هذا الفريق الذي يمثِّل بلاءً على البشرية وبالأخص بلدان الشرق، هو من حيث الحدث والعلم به كثيراً ما يَتفاجأ مثلنا بالحاصل النوعي على الواقع، ونِسبية العلم به هي في كثير من الأمور بنفس الدرجة تماماً وإن تفاوت بالمراتب عند الأشخاص في بعض الوقائع العالمية أو حتى المحلية لديه، غاية الأمر أنّ قدرته أكبر على توجيه الحدث لصالحه الشخصي والقومي والنوعي، بل قد لا تقاس بقدرة فريق الدول المستوعَبة من هذه الناحية؛ باعتبار أنّ ذاك يَمتلك الوسائل البراقماتية الفاعلة بدرجة لا يستهان بها قوةً وفعلاً.

لكن هذا لا يعني بتاتاً افتقاد «الفريق المضاد» هو الآخر للوسائل النوعية الجِدّية الجيدة الموطِّدة لحاجز الحماية والحصانة والمواجهة والردع؛ فالطاقات المتواضعة - بالقياس لطاقات فريق الشرور - التي تمتلكها المنطقة هنا، لا تقل اقتداراً على تصحيح الوضع وتحقيق ذلك وبأعلى المستويات الجذرية.

ولو أنّنا تعاملنا مع كلِّ حدثٍ جديدٍ يبرز أمامنا بموضوعية الظرف والحدث مثل فريقهم دون أي طغيان لشعور المباغَتة والمفاجَأة ومَوقف الانهزام؛ لَعاينا بجد ويقين هذه الحقيقة في عالمٍ لا موضع فيه لغير سياسة الأذكياء ولعبة العقول المشحوذة.

ولو فَرَضْنا أنّ الكثير أو أكثر دول الشرق تسعى بالرتبة الأولى لمصالحها الشخصية، التي هي حق طبيعي إلا أن يثلم ثلمة في وحدة الكيان الإنساني والقومية المشترَكة والدين العام الذي يَلزم أن يطغى على كل شيء باعتباره نافذ الأمان لذات القِيَم الإنسانية والقومية المشتركة؛ لكانت - أعني دول الشرق - بمنطق الذكاء مطالَبة لأن تكون بهذا المستوى من القراءة والتعامل مع كل مستجَدٍ بما يمنحها القوة والهيبة العالمية والفاعلية في الميدان الدولي والاستقرار، بالأخص في ظل أخْذِنا لمبادئ الإيمان على خط جدلية «الكم والكيف».

وعموماً؛ فإنّ العقل السياسي يدبِّره الجميع، فهو مَلَكة ذاتية وجماعية لا تختص بأحد إلا بما تحمله من نسبية الفطنة واشتداد الحِدِّة بالدقة، وإن كانت الوسائل والإمكانيات المادية لها دورها في إجراء المتغيرات، لكنها تبقى خاضعة وأسيرة لعامل هذه المَلَكة العامة؛ بما يعني أنّ الدول الشريرة لا تمتاز بشيء إضافي بالقياس للدُّوَل الضِّد؛ فرُبَّ «أَعقَلٍ نحيل» هَزَم بتدبيره المتقَن وصبرِه العازم «آخرَ عاقل كثير العتاد والعدّة»؛ والصبر ليس إلا حِنْكة التدبير وإجبال النفس على التحمل والثبات ببصيرة.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا معهُ قالوا لا طاقَةَ لَنا اليومَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ «كَم» مِّن فِئَةٍ قَليلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كثيرَةً بإذْنِ اللهِ واللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[البقرة: 249].

صدَقَ أحكمُ الناطقِين.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com