آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 6:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الثورات العربية، الحَصاد

أمين السعيدي *

من الطبيعي لا جدلاً أن يخلِّف النظام الدكتاتوري وراءه آلاف الأزمات المعقَّدة؛ التي مِن بينها بروز فئات تَستوظِف الهدم والقتل والتخريب؛ فأيُّ نظامٍ دكتاتوريٍّ فهو بمجرَّد انهزاله وسقوطه يتلازم معه الخراب والدمار الذي يدلِّل على سِمات دكتاتوريته الخاصة التي عاثت في كيان مجتمعه وشعبه.

إنّ هذا الذي نعاينه اليوم في ليبيا والعراق وغيرهما من الدول التي خضعت لثورات شعبية، إنما هو النتاج الواقعي الموازي لدرجة طردية متوازنة تماماً مع مقدَّماته الفعلية؛ لذا كان على أيِّ شعبٍ يريد التحرر من القيود الجبروتية للفرعون البشري أن يتحمَّل جميع تَبِعات تطهير الأرض منه واجتثاث شجرته الخبيثة والخروج من عتمة سواد الظلام إلى آفاق نور النجاح والازدهار، فالتوابع هي ضريبة طبيعية للعلاقة المحكومة للنقْلة الشعبية؛ وهذا هو عين ما تعيشه هذه الشعوب مؤقَّتاً.

لكن هذا أيضاً محكوم بذاته إلى ما إذا كُتِب لها أن تسير على خط الأمل وشرائط النصر؛ أمّا إذا تذبذبت؛ فنفس القواعد التكوينية ستجري في حقّها وفق الميزان الطردي بين «الفعل» و«نتيجة الفعل»، سواء وفق نسَق التلازم اللامنفك منطقياً أو التلازم القابل للانفكاك، أو حتى المصادَفات التي هي الأخرى منطقيات تكوينية طبيعية، غاية الأمر أنها تَخفى من حيث مبرراتها الطبعية أو الطبيعية..

ومن المعقول جداً أن يكون المخطَّط المستهدَف من القوى الشريرة الوافدة هو استنزاف جيوش الدول العربية والإسلامية إلى حروب غالبها مبنية على جنس الوهميات أو الصناعات الجدلية المبتكَرة من الفُرقاء الفراعنة الطواغيت، ومن ثم بعد الزَّج بالجيوش العربية والإسلامية في حروب على رأسها مواجهة داعش الأخطبوط المتمدد الذي لا يُدرى في كل مرةٍ من أين ستُبتَدأ مرحلته المتجددة؛ عندها تكون القوى الشريرة التي غذَّت الإرهابيين قد ربحت أقَلّها أربعة نجاحات كبرى وعظمى؛ موجزها:

أولاً:

إضعاف الجيوش العربية والإسلامية أكثر مما هي عليه.

ثانياً:

استنزاف الثروات دون منازِع، بما فيها الثروات المَجْنية بمنهج الاختلاس والسرقة أو المجنية بطريقٍ رسميٍّ كبيع السلاح لهذه الجيوش وحصْدِ الأموال الطائلة، والتي لربما هي صفقات بيع تمريرية لأسلحة بارت قيمتها بعد بزوغ أسلحة جديدة مبتكَرة مطوَّرة سيتم الكشف عنها قريباً، ومن ثم تدويلها في الأسواق الدولية المختصة بآلات الحروب والقتل والتدمير؛ مما يعني ربْح ضماني لتجارة القديم ومقدِّمة ريادية لربح تجارة الحديث القادم الذي سيكون هو الآخر مؤهَّلاً لأرباح ضِمنية أخرى من نوع آخر يتجلَّى في تجربة فاعليته الخبيثة من خلال نفس الشعوب المنكوبة.

ثالثاً:

تقويض حركة الشعوب، وتدمير مَكامن القوة لديها، والإمعان في قتلهم وإحداث حالة من الاكتئاب والنَّفْرة من استحداث ثورات جديدة في بلدان تكاد تكون لازمة التصحيح بما فيها الدول الأوروبية الراعية للإرهاب؛ وهذا فعلاً عين ما حصل في مجموعة من الدول القريبة.

رابعاً:

بعد الزَّج بالجيوش العربية والمسلمة في الصراعات المصنوعة، واستنزاف ثروات الدول وطاقاتها؛ تكون المنطقة مؤهَّلة تماماً بكل معنى الكلمة للاجتياح العارم الكبير، سواء على قاعدة توظيف عملاء جدد في رأس السلطات المستحدَثة بمجرَّد الظاهر، أو على قاعدة الاحتلال المؤقَّت مفتوح الرِّهان أو طويل الأجل، بإيقاظ جيوش غربية نائمة تمارِس تجارب الاحتلال البريطاني والفرنسي.. القديم بصورة مستحدَثة، وقد الأتراكي أيضاً.

هذا نظرياً.أما تطبيقياً؛

فهنا على سبيل المثال اليمن، ومصر، وليبيا، والعراق، وسوريا، وغيرها، بما فيها لبنان الثائر عمقياً، وربما كان نفس التخطيط جرى من ذي قبل عن طريق أفغانستان، لكنه أُرغِمَ بالفشل الذريع، أو ربما كانت أفغانستان هي المقدِّمة الجوهرية التي على أساسها يتم الحَصاد الفعلي والتحصيل؛ إذ ليس فصيل داعش إلا إحدى مواليد القاعدة دون ريب.

وعلى الجانب الآخر روسيا، التي تمَّ ممارسة المخطَّط عليها باعتبارها الحليف القوي الداخل على الخط الساخن بخُطى قوية متماسة والمحتمَل برمجته لصالح البلدان الشرقية بأيِّ مرحلةٍ ما، ولو صوْرياً بجدلية تَغاير المراهَنات، في ظل كونها بسُنَّة قياس النبض لم يتم تخضيعها للآن إلى وضع الثورة الداخلية، وإنما انقلبت الآية على أوكرانيا، وأخذت روسيا حِذْرها من الاستنزاف في بقاع الخارج وكذا الحرب الآتية من الأوساط المتربِّصة.

والآتي يتكفَّل البراهين بالنوع العالى والأوسط والسافل وكذا الجنس والفصل والرسم.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com