آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين سموم الكنعد وسموم العلوم الزائفة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ترددتُ كثيراً في كتابة هذه المقالة، وحين استقر الرأي على ذلك، فإنني أكتبها اليوم ما دام الوقت قد سنح لي لأتركها جاهزة فأعيد النظر بعد الانتهاء منها في أمر نشرها.

لاشك أن العلوم الزائفة كانت ولا زالت تلقى رواجاً بين المجتمعات البشرية بتفاوت يتداخل فيه كثير من العوامل أهمها الوعي، وقد نذرت بعضاً من الوقت في السنوات الأخيرة في ملاحقة الدجل العلمي الذي يقود مركبه رواد العلوم الزائفة من أجل تفنيد دعاوى هذا الدجل، إضافة للشائعات والأساطير والخرافات التي تطفو على السطح بين فينة وأخرى، ولم أجد الكثير من الحساسية في ملاحقة مثل هذه الأمور حتى مع اتخاذ أسلوب السخرية والهزل، كون المواضيع تتعرّض لأفكار محضة كعلوم الطاقة والانعكاسية وأنواع الطب البديل سيما طب الأعشاب وسواها من الأمور بلا تعرض للأشخاص المروجين لمثل هذه الأفكار، أو لكون المروجين لهذه الأفكار والأساطير بعيدين عن مجتمعنا كمخترع علاج الإيدز المدعو المهندس عبد العاطي، أو مروج التحذير من جبنة السلايس الدكتور علي الجدي.

غير أن المسألة هذه المرة تأخذ طابعاً مختلفاً بسبب أننا نناقش أمراً وإثارة طفت على السطح من شخصية من أبناء المجتمع، وله مؤهل أكاديمي محترم، واعتبارية علمية عطفاً على التخصص الذي يعمل به والمهنة التي يمارسها، هذه المعطيات تجعل من نقد أطروحاته سبباً لللغط والشد والجذب بين منافح ومعارض لما تفضل به من أفكار وتحذيرات، وتعقّد الأريحية والتلقائية التي نحصل عليها في نقد القضايا الأخرى من ذات السنخ.

ورغم كل ذلك فإنه من الضروري الوقوف بحزم من المهتمين لمسألة حساسة وخطيرة كالتي أثارها تؤثر في الوعي الاجتماعي وتحمل تبعات وعواقب لربما كانت وخيمة وسيئة تتمثل أهمها في بث الرعب والخوف والوجل على أقل تقدير في فئة ليست بالقليلة من أبناء المجتمع، فأمس يخرج شخص ويحذر من جبن السلايس، واليوم يخرج آخر ويحذر من الأسماك والربيان، وغداً يخرج ثالث ويحذر من الخضار، وبعده يخرج رابع ويحذر من مياه الشرب، كل ذلك بلا ضابطة ولا مستند علمي محترم، فتدب الفوضى ويختلط الحابل بالنابل ويغدو المجتمع مشغولاً في مخاوف وهواجس وجدل ولغط حول أمور حساسة تمس صحة أفراده، ولكنها في الوقت ذاته وهمية ولا حقيقة لها، من هذا الباب كان منطقياً من كل مهتم ومتعلم أن يشارك ويتصدى بحزم ويحمل رسالة واضحة تجاه مثل هذه الإثارات.

ما هو ملخص الرسالة التي نريد إيصالها؟

كل دعوى تمس الشأن الاجتماعي العام ولها هذه الحساسية ينبغي أن ترتكز على مستند، وفي خصوص مسائل من هذا السنخ فالمستند الوحيد المقبول هو الدراسات العلمية المحترمة، أي مستند أقل وثاقة ومتانة من هذا الأمر ينبغي رفضه ورده على صاحب الدعوى، لا يمكن قبول ولا إعطاء قيمة للدعوى بدون دراسة محترمة يوافق على نشرها وقيمتها العلمية المتخصصون، بعد نشر الدراسة، يأتي دور المختصين في نفس المجال لتمحيص الدراسة والتحقق من نتائجها، مما يعني أن نشر الدراسة في المجلة التخصصية هو الخطوة الأولى، وتتبعها خطوات للتأكد والتحقق من قبل باحثين في نفس المجال، بلا دراسة منشورة يعني أن صاحب الدعوى لم يكمل حتى الخطوة الأولى من إثبات كلامه، وبذا لا يحق له القفز على كل هذه الخطوات وتحذير الناس مباشرة وهو لم يثبت شيئاً بعد.

هذا الكلام ليس كلامي ولا دعواي، كل المهتمين في المجال البحثي والأكاديمي طرحوا بشكل أو بآخر نفس الرأي، هذا عرف وبروتوكول سائد في البحث العلمي، به فقط يمكن التفريق بين العلم والبحث الحقيقي الرصين وبين العلوم الزائفة والدجل والخداع، بدون اتباعه كل دعوى يمكن تصنيفها في خانة الدجل والعلوم الزائفة، بالضبط كما فعل صاحب فضيحة علاج الإيدز في مصر المهندس عبد العاطي حينما خرج على القنوات الإعلامية وعلى الملأ وصار يهرّج بلا أدنى مقالة علمية منشورة عن اختراعه المزعوم، ليس ضرورياً وليس مطلوباً أن أكون متخصصاً في الأوبئة أو استكشاف الأدوية حتى أقيم دعوى عبد العاطي بالفارغة، في الوقت ذاته ليس مطلوباً من أي أحد أن يكون مختصاً في علم السموم ولا المختبرات حتى يقيم دعوى صاحب التحذير من الأسماك بانعدام الوزن وانعدام القيمة.

بعد الملخص، هل لدينا أمثلة تنفي بعض ما تفضل به صاحب التحذير؟

بلا شك، وسوف أتكلم وأسند كل معلومة بمصدرها، لألزم نفسي بالمنهج العلمي حينما أطلق الدعاوى.

أولاً: يذكر صاحب الدعوى أن السموم والتلوث سبب حدوث الطفرات الوراثية

أقول: الطفرات الوراثية تحدث بشكل طبيعي مع عملية تضاعف الخلايا وتضاعف الحمض النووي، لا نستطيع إنكار دور السموم في حصول بعض الطفرات الوراثية، لكنها تحصل طبيعياً حتى بلا تعرض لهذه السموم، وهذا مما تسالم عليه العلماء، فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات بحسب آخر تقنيات تحليل الحمض النووي وأكثرها دقة، بأنه خلال جيل واحد «قرابة 30 سنة» يحصل ما معدله 100 إلى 200 طفرة وراثية فقط داخل كروموسوم Y «1»، وهو أصغر كروموسوم لدى الإنسان، فكيف بعدد الطفرات التي تحصل في كامل المخزون الوراثي؟

إذن: ليس ضرورياً أن يتعرض الإنسان للسموم لكي تحصل لديه طفرة وراثية، أساساً الطفرات تحصل عشوائياً في جسم الإنسان وبشكل طبيعي، وهي أحد وسائل التنوع والتطور في الكائنات الحية..

ثانياً: يذكر صاحب الدعوى أن السموم والتلوث سبب انتشار السرطان

أقول: حسناً، هناك علاقة بين السرطان وبين السموم وليس لدينا ريب في ذلك، لكن السرطان أحد أكثر الأمراض تعقيداً في أسبابه، لأنه توجد أسباب وعوامل كثيرة جداً تتداخل في حصول أمراض السرطان أبعدها الله عنا وعنكم، منها الوراثية، يعني أن الإنسان منذ ولادته وقبل تعرضه لأي سموم قد تكون لديه قابلية لنشوء الخلايا السرطانية أكثر من غيره «2»، ناهيك أن الطفرات تحصل عشوائياً بشكل طبيعي مع كل انقسام خلوي، الأمر الذي حدا ببعض الباحثين من خلال دراساتهم الإحصائية للخلوص بأن حوالي ثلثي أنواع السرطان تحصل بعشوائية، لا دخل للبيئة ولا عادات المصابين ولا طعامهم ولا شرابهم بها، بل المسألة سوء حظ حسب تعبيرهم، أو محض قضاء وقدر حسب تعبيرنا «3»، سوى ذلك أن إحدى الدراسات قد وجدت علاقة بين انخفاض معدل فيتامين د وبين تقدم السرطان، حوالي ثلاثة أرباع ممن يصابون بالسرطان لديهم انخفاض في معدل فيتامين د «4»، فيما احتملت دراسة أخرى أن تكون هناك علاقة بين انخفاض معدل فيتامين د وبين الإصابة بسرطان البروستات «5»، ولكن نعلم أي الطعام يحتوي على فيتامين د؟ قليل هي الأطعمة التي تتوفر عليه، الأسماك المحتوية على الدهون أهم تلك المصادر «6».

قبل أن أختم كلامي أحببت أن أشير لدراسة أجراها عدد من الباحثين حول 6 من أنواع السمك المنتشرة في الأسواق المحلية التي مصدرها شواطئ الساحل الشرقي من المملكة، ومن بينها سمكة الكنعد، تخلص الدراسة التي نشرت سنة 2011م إلى أنه على رغم مخاطر التلوّث في سواحل الخليج، فإنهم وجدوا أن تلوّث هذه الأسماك بعدد من المعادن الثقيلة منخفض نسبياً، ولذا فإن الأسماك تمثل مصدراً صحياً وآمناً للغذاء والمعادن المفيدة «7»، هذا ما وقعت عليه بخصوص دراسة الأسماك في الساحل الشرقي، ربما يكون هناك دراسات أخرى ذات نتائج مشابهة أو مغايرة لهذه الدراسة ولكن لم تقع بين يدي.

إلى هنا أجدني قد أطلت، وصار مناسباً أن أختم حديثي، ولولا ذلك لاسترسلت في الرد، ولكنني أجد فيما كتبت أعلاه الكفاية لتبيان المغالطات العلمية الصارخة والتبسيط العجيب والقفز المباشر في الدعوى بأن الربيان والأسماك من الكنعد والصافي هي أسباب انتشار السرطان والطفرات الوراثية في مجتمعنا، فضلاً عن عدم نهوض دعاوى سميتها ومخاطرها بالدراسة والبحث العلمي المحكم.

1- معدل حصول الطفرات في البشر: 

http://www.nature.com/news/2009/090827/full/news.2009.864.html

2- العلاقة بين الجينات الوراثية واحتمال الإصابة بالسرطان:

http://www.cancer.gov/cancertopics/pdq/genetics/overview/healthprofessional/page1

3- عدد مرات انقسام الخلايا الجذعية تفسر اختلاف احتمال الإصابة بالسرطان في الأنسجة المختلفة:

http://www.sciencemag.org/content/347/6217/78

4- انخفاض فيتامين د لدى مرضى السرطان:

 http://www.sciencedaily.com/releases/2011/10/111003132353.htm

5- علاقة نقص فيتامين د بسرطان البروستات:

http://consumer.healthday.com/cancer-information-5/mis-cancer-news-102/low-vitamin-d-linked-to-prostate-cancer-diagnosis-spread-687356.html

6- مصادر فيتامين د: 

http://www.webmd.com/food-recipes/guide/calcium-vitamin-d-foods

7- المحتوى الكيميائي لـ 6 أنواع من أسماك الساحل الشرقي:

http://medwelljournals.com/abstract/?doi=javaa.2011.3053.3059

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
د.عباس العسيف
[ القطيف ]: 16 / 3 / 2015م - 9:20 م
كل الشكر والتقدير لك أخي العزيز برير

التصدي العلمي للمستجدات الغير علمية أمر في غاية المهمة وهو تكليف من له علم ودراية من أبناء المجتمع.

وبدوري

أشكرك على المقال الرائع
باحث أكاديمي
مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية