آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 1:17 م

مشروع المواطَنة، بين العقل والدِّين «3» / المعارف البشرية

السيد أمين السعيدي *

ثالثاً: «النظري والعملي»

وكما ينقسم التحقق للمعلوم - العلم والمعرفة - إلى العقل الحضوري والعقل الحصولي، وكما ينقسم إلى المعلوم والمعرفة البَدَهية والنظرية حسبما سبق بيانه في الوقفتين الآنفتَين، كذلك ينقسم إلى المعلوم والمعرفة «النظرية» و«العملية».

ونعني هنا بالنظرية أو العقل النظري:

المعرفة التي تتعلق بالقضايا الموجودة ليس باختيارنا؛ أي التي تحكي عما هو كائن؛ مثل: أنّ الباري موجود، وكون الأرض كروية بيضاوية وتدور حول الشمس والقمر يدور حول الأرض ومن توابعِها، ومثل كون الشمس حارّة، وكون الرَّجُل خَشِناً مليئاً بالشهوات والغرائز الجامحة، وكون جسم المرأة فَتّاناً يُحمى بالستر وأنها عاطفية وأنها تنجب الأطفال وتحيض وأنها أمُّ وإناء البشرية الأقدس، وأنّ ستة ناقص ثلاثة يساوي ثلاثة، وأنّ صفر زائد واحد يساوي عشرة، وأنّ الله يبعث الأنبياء ويجعل لهم أوصياء..؛ فهذه أمور وجودها ليس باختيارنا وتحكي عما هو حاصل وكائن ولا دخالة لنا بإيجاده بتاتاً.

فهذا النحو من القضايا العلمية المعرفية يُشَكِّل في مجموعه العلوم الثلاثة الحقيقية للحكمة النظرية؛ وهي: الرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات «بالتفصيل المذكور في كتب الحكمة».

وقيمة هذه المعارف النظرية تكمن في كشفها عن الواقع والحقائق الوجودية، وكمال الإنسان يكون بتحصيل العِلم بها على ما هي عليه في الواقع تماماً، وإلا فإنَّ الخطأ فيها يعني نتائج خاطئة تنعكس بالضرورة على فكر الإنسان ومن ثم على منهجه، وبعضها يَلزَم من الخطأ فيها انهيار النظام البشري وتدكدكه وفشله وانتشار الفوضى والأمراض العلمية والنفسانية والجسمانية المُزْمِنة الخطيرة جداً.

وأما المعرفة العملية أو العقل العملي؛ فنقصد به:

المعلومات والمعارف المتعلِّقة بالقضايا التي وجودها باختيارنا وتحكي عما ينبغي أن يَكون وما لا ينبغي أن يَكون؛ وذلك مثل: حُسن العدل وقُبح الظلم.

ومعنى كونها باختيارنا: هو أنها توجَد بأفعالنا الاختيارية نحن، فنحن المولِّدون لها ونحن الذين نوجدها ونحن المسؤولون عنها، فهي ليس لها أي وجود قبل ذلك؛ فالبشر مثلاً هم مَن يَجعلون الحاكم، والحاكم هو مَن يَجعل الوزراء، والمرأة هي من تتبرج وتَدْهَس شرفها وتسترخِص عرضها وتَجعل نفسها سلعة للتجارة، وهي التي تتستَّر وتحمي عرضها وشرفها وتقدِّس قيمتها الإنسانية، والأب والأم هما مَن يربِّيان أبناءهما أو ينتجان للمجتمع أولادَ الشرور بسوء اختيارهما ورداءة تربيتهما، ورؤوس الجمعية العمومية هم الذين يحدِّدون كيف يُخْلِصون بتطبيق البنود المأمور بها، ومجلس الأمن هو الذي يَنشر عماله الأمنيين لصالح جهة خاصة أو لصالح البشرية كافة حسبما تم إيكاله له مِن مهام، والزاني المُريد لمحارمه هو مَن يَختار هذا الفعل ويوجِده، والذي يَستعمل المخدرات أو يروِّجها هو مَن يَجعل المخدِّر في دمه وبدنه وينشرها بين الناس، والمدخِّن هو الذي يُدْخِل النيكوتين إلى جسمه، والذي يَربح أو يخسر في البورصة هو مَن يضع أمواله فيها بجعلٍ منه، ورئيس الوزراء هو مَن يوجِد العدل والطمأنينة بما عليه من مسؤولية قد تَحمَّلها وتَصَدَّر إليها أو يَجعل سلوكه سلوكاً صَنمياً دكتاتوراً فيَنشر الترهيب والإرهاب ويَستجلِب العنصريات ويفرِّق بين أبناء شعبه..، وهكذا؛ فهذه المعارف تَتعلَّق بقضايا وجودها باختيارنا وتحكي عما ينبغي أن يَكون وما لا ينبغي أن يَكون.

هذا معنى اعتباريتها عند الحكماء، لا بمعنى أنها لا واقعية لها كما تَوَهَّمَ البعض.

وأما معنى واقعيتها؛ فهو أنها كمالٌ واقعي موجِب لتحصيل السعادة؛ وهذا معنى حُسْنها؛ لذا ينبغي فعلها لأنّ تحصيل الكمال بالأفعال الاختيارية واجبٌ لازمٌ عقلاً؛ وهذا مبدأ مهم من مبادئ السلوك الفردي والأخلاق المجتمعية والشعبية والقُطْرية والأُممية والحكومية والسياسية.

تأتي بقية الكلام إن شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com