آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 1:17 م

عيد الأم واحدة مِن مَهازِل تاريخ المسلمين [2]

السيد أمين السعيدي *

معنى العيد:

العِيْدُ لغةً: هو ما يعود مِن همٍّ أو مرض، أَو شوقٍ أو نحوِه. والجَمعُ: أعياد[1] .

وقال الآباديُّ نقلاً عن شمس الدِّين:

«العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يُقصد فيه الاجتماع والانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحُنفاء ومثابة للناس، كما جَعل أيام العيد منها عيداً» [2] .

مسار البحث في المسألة:

معلومٌ - وهذا يعيه أهل العلم والمتخصصون - أنّ البحث في هذه المسألة لا تصل النوبة فيه إلى «الأصول العملية» ليشمله «أصل الإباحة»، وإنما بحثه موكول ل «الأمارات والنصوص»؛ باعتبار أنّ النصوص الشرعية تَعرَّضت لهذه المسألة، وأنّ الصيرورة إلى «الأصول العملية» يكون مترتباً على عدم تَوافر النص الوافي بإصدار الحكم والفتوى.

بل مِن الخطأ علمياً أن يُوصَف ذلك بحُكمين مردَّدَين بين الإباحة والاستحباب فيما لو كان القصد بالإباحة نتاج الأصل العملي والاستحباب نتاج الأمارة؛ ذلك لأنه إما أن تكون هنالك أخبار في المسألة فتخضع لمفاد الأخبار ولا تصل النوبة للأصول، أو أنه لا توجد أخبار ومن ثم يكون المدار هو حُكم الأصل، هذا إن كان القصد بالإباحة نتاج الأصل لا مفاد النص، والاستحباب نتاج الأمارة. وواضح أنه لا نصَّ على الإباحة في المسألة بخصوصها ليقال أنّ القصد من الإباحة هنا هو مفاد النص.

نتاج الحكم الظاهري أصالة «الاحتياط» لا «الإباحة»:

وكذا حتى على التجافي عن هذا الخطأ والاقتصار على القول بالإباحة في هذه المسألة الخاصة، وأنها نتاج الأصل العملي الظاهري؛ نقول: بأنّ المتعيِّن - على فرض وصول النوبة إلى الأصل - هو «أصالة الاحتياط» وليس «أصالة الإباحة»؛ ذلك وِفاقاً لِما هو عليه الطابع العام لنفَس الشريعة في هذه المسألة الخاصة وأَضرابِها، ووِفاقاً لمجموعة أساب نذكرها تِباعاً مع تسلسل البحث بحول الله.

إشكالٌ وردُّه:

وفي المقابِل قد يقال:

إنّ المسألة لا تصل لحد التشريع من الناس كي يُناط البحث فيها إلى البدعة والتشبه وما شاكل؛ بالتالي لا وجه لهذا التشدد تجاهها.

جوابه:

كيف؟! والحال أنّ القضية انتَحلَتْ مسمَّى «العيد»، واتَخذَتْ طقوساً، وأَخَذَتْ دَورها في الشياع، وباتت من الرسوم والعادات لدرجة أنّ البعض بات لا يَكاد يَقبل بسقوطِها، وهل نطْفة البدعة إلا هذه البدايات؟! وهل التشبه يَحتاج لأن يَتخِّذ صفة التشريع ليَصدُق عليه التشبُّه؟! فغداً تصير أمراً لازماً كأيِّ عيدٍ شرعي، ومن ثم ننقلها للبلدان المجاورة، وليس هذا المَآلُ جزافاً.

وقد مرَّ عليك فيما ذكرنا معنى العيد، وهو كما تَرى منطبِقٌ على الموْرِد.

وعليه؛ فأنت في اعتناق ذلك أمام أحد أمرين:

الأمر الأول:

إما أن تقول هي أعياد حقيقية وتعطي لها طابع العيد وتشرِّع لها طقوساً وعبادات شمولية كي لا يمس الضرر الفقراء والمساكين والأيتام ولا تَحصَل الأضرار التي سنأتي على ذِكْرِها؛ وهذه بالتالي تَكون مصيبة أعظم على الله وأنبيائه ودينه وعباده.

الأمر الثاني:

أو أن تقول هي ليست بأعياد وأنها مجرَّد أوقات لهو ولعب وطرب ورسوم وعادات مستجلَبة أو مصنوعة مستحدَثة؛ وبالتالي هي أيضاً تَشَبُّهات وبِدَع واختلاقات محرَّمة ومن الكبائر.

وإنّ من هذا حقيقةً ما حاول البعض أيضاً تمريره بغطاء آخر عساه يفتقِد سِمة التَّشَبُّه؛ حيث أَخَذَ بنقل الزمن وتحويله؛ فجَعَل عيد الأم مقارِناً لميلاد أُمِّنا بنت نبينا ﷺ فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام، لكنه مع ذلك غَفل عن أنه لم يَفلت من أصل الاختلاق والابتداع.

نعم؛ لو كان مثلاً اتخاذ ميلاد الصِّدِّقية الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها طريقاً ومناسبة لتكريم الأم وغير الأُم، وإحياء السُّنن لا على وجه التخصيص بأمرٍ بعنوانه عيداً؛ فهذا لا ضير فيه، ولا يَتفوَّه به أحد ولا يقول بالمنع منه غير بعض علماء إخواننا السُّنّة ممن يُحرِّم «أصل الاحتفال بميلاد النبي ﷺ وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام»، إلا أنّ الأمر في ذلك سهلٌ باعتبار الاختلاف في العقيدة والمذهب، وقد قام مذهبنا ومذاهب بعض المسلمين وكذا بعض علماء المذاهب الأخرى على استحباب الاحتفاء بمولد نبي الأمة ﷺ وأهل بيته الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ بالتالي لا ضَيْرَ في إحياء السُّنن العامة فيها؛ فالسُّنن الإلهية العامة فعليّة في كلِّ حين.

بل إنّ إحياء مناسباتهم صلوات الله وسلامه عليهم إنما هو أساساً لأجل التذكير بسُنن الله تعالى وإحيائها، وهو هذا من الموارد التي حَثَّتِ الشريعة فيها على ذلك وجعلَتْها بديلاً للاختراعات والابتكارات والبِدَع والتَّشبُّهات.

وسنستعرِض لك في الوقفة الآتية إن شاء الله تعالى الأدلة والأخبار الشرعية في ذلك؛ فتَرَقَّبْ.

[1]  المعجم الوسيط، جَذْر «عيد».

[2]  عون المعبود، للآبادي: ج6 ص23.
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com